في الوقت الذي ما تزال فيه الجزائر تلتزم الصمت رسميا إزاء اعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك، قدم النائب السابق لرئيس المجلس الشعبي الوطني الجزائري موسى خرفي لـ “الصحيفة” قراءة سياسية تكشف جانبا من الخلفيات التي أسهمت في تشكّل هذا “اللاموقف” غير المسبوق على حد تعبيره، بين ما يعتبره حسابات سياسية مرتبطة بذاكرة الخلاف مع واشنطن حول الصحراء، وبين ما يراه تمسكا جزائريا بمبدأ رفض الإجراءات الأحادية خارج الشرعية الدولية.
البرلماني خرفي، وفي التصريح ذاته لـ “الصحيفة” لم يتردد في الإشارة إلى أن ترامب وحضوره التاريخي في ذاكرة العلاقات الجزائرية الأمريكية، وخصوصا بعد قراره المرتبط بقضية الصحراء كان له تأثير ملموس على المناخ السياسي الذي تعاطت فيه الجزائر مع حادث اعتقال مادورو، إذ شدّد المتحدث حرفيا على أنه يبدو أن موقف الجزائر “اللا موقف” هذه المرة مرتبط بما وصفه بـ “عنجهية ترامب” وموقفه السابق في قضية الصحراء والذي حط ظلاله وشوش قليلا، وفق تعبيره.
هذا التصريح، بما يحمله من اعتراف مباشر يضع جزءا من تفسير الصمت الجزائري في خانة “الذاكرة السياسية” حيث تُستعاد مواقف سابقة لواشنطن إزاء مغربية الصحراء خصوصا بعد القرار الأخير لمجلس الأمن لإعادة قراءة حدث جديد بحجم اعتقال رئيس دولة حليف.
لكن موسى خرفي حرص في الوقت نفسه، على التأكيد أن موقف الجزائر ليس مجرد رد فعل نفسي أو سياسي على خلفية خلافات سابقة، بل هو كما يصفه نابع من عقيدة ثابتة في السياسة الخارجية الجزائرية حيث أكد قائلا: “ومع ذلك الجزائر لا نعترف بالإجراءات الأحادية، سواء كانت عقوبات أو ملاحقات أو اعتقالات خارج إطار الأمم المتحدة، ودائما كانت الجزائر ترى أن أي مساءلة يجب أن تتم عبر آليات دولية شرعية وبشروط قانونية واضحة، لا عبر قرارات سياسية انتقائية”.
وسعى خرفي ضمن التصريح ذاته الذي خص به “الصحيفة” إلى تعزيز فكرة أن الجزائر حتى حين تصمت، فإن صمتها مؤطر بمبدأ معلن هو رفض أي خطوة أحادية تُتخذ خارج منظومة الأمم المتحدة، واعتبار أن أي مساءلة تخص رؤساء أو دول يجب أن تمر عبر قنوات قانونية وشرعية واضحة لا تقودها “القوة السياسية” بل المرجعيات الدولية.
وفي جوابه على سؤال “الصحيفة” المتعلق بسبب غياب أي تعبير رسمي جزائري ولو على مستوى موقف مبدئي يذكّر بمبدأ السيادة الوطنية أو يدعو إلى مسار قانوني دولي، فضّل موسى خرفي الانتقال إلى تفكيك الحدث في حد ذاته، معتبرا أن ما وقع يتجاوز حدود كونه حادثا معزولا، ليطرح تهديدا واسع الأبعاد على منظومة العلاقات الدولية والاستقرار العالمي.
وأوضح المتحدث، أنه بخصوص تبعات الإجراء الأمريكي باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على الأمن الدولي، “لا بد من الإشارة إلى أن اعتقال رئيس دولة يتمتع بالسيادة وهو على رأس مهامه، ذلك يُعدّ سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، لما يحمله من تبعات مباشرة على الأمن والاستقرار الدوليين، وهذا النوع من الإجراءات يقوّض مبدأ سيادة الدول، ويضعف قواعد القانون الدولي، ويفتح الباب أمام منطق القوة بدل منطق الشرعية، كما أنه يرفع منسوب التوتر السياسي والعسكري في أمريكا اللاتينية، ويزيد من احتمالات التصعيد غير المحسوب، سواء عبر ردود فعل داخلية في فنزويلا أو عبر تحركات إقليمية ودولية داعمة له”.
وحاول خرفي أن يقرأ الحدث ليس فقط من زاوية ثنائية جزائرية–فنزويلية، بل من زاوية أوسع تتعلق بتوازن النظام الدولي كله حيث شدد على أن ما حدث ليس مجرد عملية سياسية أو أمنية، بل خطوة تمس بمفهوم السيادة ذاته، وقد تفتح الباب أمام مرحلة يكون فيها “منطق القوة” هو المحدد بدل “منطق الشرعية الدولية”.
وفي رده على سؤال المتعلق بربط الصمت الجزائري بما وصفه هو نفسه بـ”عنجهية ترامب” وموقفه من قضية الصحراء، وما إذا كان ذلك يعني أن موقف الجزائر بُني على حسابات سياسية مرتبطة بالخلاف مع واشنطن أكثر مما بني على مبدأ ثابت، اختار موسى خرفي لغة حذرة لكنها واضحة في دلالتها السياسية إذ قال: “دعينا ننتظر قليلا لأن هذا الانتظار لا يعني الغموض ولا التراجع، فنحن لم نألف على هذا التأخر في الموقف الذي تبديه الجزائر”.
هذا الجواب يحمل في طياته أكثر من دلالة، فمن جهة، يعترف البرلماني ونائب رئيس البرلمان الجزائري بأن التأخر في التعبير عن موقف ليس أمرا مألوفا في تقاليد السياسة الخارجية الجزائرية، وهو ما يشير ضمنيا إلى خصوصية هذا السياق، ومن جهة أخرى، يحاول التأكيد أن “الانتظار” ليس مرادفا للغموض أو الانسحاب، بل وفق قراءته جزء من لحظة تقييم معقدة يتداخل فيها المبدئي بالسياسي والتحفظ الدبلوماسي بحساسية الحدث.
ويؤكد البرلماني الجزائري في حديثه لـ “الصحيفة” أن الظلال الثقيلة لقرار ترامب حول الصحراء ما تزال حاضرة، وتؤثر نفسيا وسياسيا في طريقة تموضع الجزائر تجاه كل ما يأتي من واشنطن، معتبرا في السياق ذاته أن بلاده تحرص على التشبث بخطاب المبادئ ورفض الإجراءات الأحادية خارج الشرعية الأممية، والتحذير من سابقة خطيرة تهدد مفهوم السيادة الدولية مع الإصرار على أن التأخر لا يعني بالضرورة غياب الموقف، بل ربما يعكس تعقيد لحظة سياسية دولية تعالجها الجزائر بحذر محسوب.
