لم يعد ميناء الناظور – غرب المتوسط، الذي حدد الملك محمد السادس مؤخرا موعد انطلاق تشغيله في الربع الأخير من سنة 2026، ملفا اقتصاديا يهم المغرب فقط، بل أصبح، بحكم الأمر الواقع، موضوعا مُلحاً على طاولة الفاعلين السياسيين الإسبان، خصوصا في مدينة مليلية التي أضحى العديد من مسؤولها يرون أن سيناريو “حصار” مدينة سبتة من طرف ميناء طنجة المتوسطي، يتكرر معها.
وعلى الرغم من أن الاستراتيجية المينائية للمغرب ليست معطى ظرفيا، على اعتبار أنها رُسمت منذ وصول الملك محمد السادس إلى العرش قبل أكثر من 26 عاما، إلا أن السياق الحالي يُعطي لقرار تشغيل ميناء الناظور الجديد صبغة “الحرب الاقتصادية”، على اعتبار أن المدينة، إلى جانب شقيقتها سبتة، تُداران من طرف الحزب الشعبي الذي لا تربطه علاقات ود مع الرباط، في الوقت الراهن.
العديد من الفاعلين السياسيين والإعلاميين الإسبان من داخل المدينة وحتى من إسبانيا نفسها، يرون أن الأمر مرتبط بشكل بنيوي بالموقف المغرب من سبتة ومليلية، والذي ينطلق من كونهما جزءا مُحتلا من أراضيه، لكن اختيار التوقيت له علاقة، وفق المنظور نفسه، بموقف الحزب الشعبي من قضية الصحراء، ومن المصالح المغربية عموما.
هذا الصراع ليس مسألة خفية، بالنسبة للحزب الشعبي، وهو ما يمكن قراءته في تصريحات فضالة مختار، وهي المستشارة المكلفة بالثقافة والتراث في مجلس مدينة مليلية، والناطقة الرسمية باسم الحكومة المحلية، التي انتقدت عدم تدخل الحكومة المركزية التي يقودها الحزب الاشتراكي العمالي، الغريم السياسي للحزب الذي تنتمي إليه، لمواجهة التحركات المغربية.
وفي تصريحات لصحيفة “إل إنديبيندينتي” المناوئة للرباط، قالت مختار إن “المغرب، بصفته دولة ذات سيادة، له كامل الحق في التوسع والبحث عن الموارد الاقتصادية وعن التنمية لأراضيه”، قبل أن تضيف “لكن، الأمر غير المفهوم هو موقف الحكومة الإسبانية، التي تعلم كل صعوبات التنافسية والبعد الجغرافي عن شبه الجزيرة (الإيبيرية) ومشاكل التنمية في مليلية، ومع ذلك لم تحرك ساكنا للدفاع عنا”.
السياسية الإسبانية اليمينية ذات الأصول المغربية، تتبنى سردية رئيس حكومة المدينة ذاتية الحكم، خوان خوسي إمبرودا، التي ترى أن الأمر يتعلق بـ”حصار اقتصادي” تمارسه الرباط، قائلة “المغرب يحاول خنقنا علنا، وإسبانيا لا تدافع عنا”، مستشهدة باستمرار غياب النشاط التجاري عبر الحدود البرية منذ 2018، الأمر الذي أدى “إلى إغلاق شركات وفقدان وظائف وتراجع قطاعات اقتصادية اعتمدت عليها مليلية لعقود”.
الطرف الذي يتحمل المسؤولية بالنسبة للحزب الشعبي، هي حكومة بيدرو سانشيز، التي، وفق المتحدثة، “لم تُسجل أي شكوى رسمية لدى الاتحاد الأوروبي رغم أن المغرب شريك استراتيجي لبروكسل”، بخصوص التجارة عبر الحدود البرية، كما أنها ألغت مشروع توسيع ميناء مليلية الذي كان قد خصص له غلاف مالي بقيمة 300 مليون أورو، كان سيُضيف إلى مساحته ما بين 25 إلى 50 هكتارا، كما كان سيحتضن محطة لواردات الغاز الطبيعي المسال.
وإذا كان الحزب الشعبي قد نجح في استعداء المغرب عبر حكومة إمبرودا في مليلية، فإن تصريحات زعيمه ألبيرتو نونيث فييخو، الطامح للوصول إلى رئاسة الحكومة في 2027، هي الأكثر إزعاجا بالنسبة للرباط، على اعتبار أنه “تعهد” بالتراجع عن قرار مدريد دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، وذلك في سياق ما يسميه “استعادة التوازن في العلاقات مع المغرب والجزائر”، بل إن حزبه قاد مبادرات برلمانية تحث حكومة سانشيز على ذلك.
هذا الصدام هو ما دفع سياسيين في سبتة ومليلية للاقتناع بأن المغرب يؤخر عودة النشاط التجاري الكامل عبر المعابر الحدودية البرية، ثم الآن الاستعداد لتدشين ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي سيتكامل مع ميناء طنجة المتوسطي من أجل وضع المدينتين بين فكَّي كماشة جغرافية واقتصادية غير مسبوقة، في سياق معركة “السيادة” التي تتطلب النفس الطويل.
ووفق ما ورد في بلاغ للديوان الملكي صدر يوم الأربعاء الماضي، إثر ترأس الملك محمد السادس اجتماع عمل خصص للمركب المينائي والصناعي الجديد الناظور غرب المتوسط، فإن هذه المنشأة الجديدة استقبلت لحدود اللحظة استثمارات بقيمة 51 مليار درهم، وستبلغ الطاقة الاستيعابية السنوية للميناء 5 ملايين حاوية، و35 مليون طن من البضائع السائلة والصلبة، وعلى المدى البعيد، ستصل الطاقة الاستيعابية السنوية الإضافية إلى 12 مليون حاوية، و15 مليون طن من البضائع السائلة.
وبالإضافة إلى المركب المينائي، يشمل المشروع أيضا إقامة مناطق جديدة للأنشطة، تمتد في مرحلة أولى على مساحة 700 هكتار، والتي سجلت فعليا تمركز المنشآت الأولى للفاعلين الدوليين، كما سيحتضن مركزا طاقيا يضم أول محطة للغاز الطبيعي المسال في المملكة، بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 5 مليارات متر مكعب، بالإضافة إلى محطة للمحروقات، وسيجري الإطلاق التشغيلي للميناء خلال الربع الأخير من السنة الجارية.
