المغرب نيوز

“مَنصب واحد، ومسؤولية واحدة”.. الداخلية تقر تعديلات تُجفّف شبكات النفوذ الترابي داخل البرلمان وتضع حدا لتضارب المصالح

“مَنصب واحد، ومسؤولية واحدة”.. الداخلية تقر تعديلات تُجفّف شبكات النفوذ الترابي داخل البرلمان وتضع حدا لتضارب المصالح


في تحوّل تشريعي يُعيد رسم حدود النفوذ الانتخابي في المغرب، اتجهت وزارة الداخلية عبر تعديلاتها الجديدة لمشروع القانون التنظيمي إلى تضييق مساحات الجمع بين المواقع التمثيلية مُوسِّعة حالات التنافي لتمنع رؤساء الجهات والجماعات الترابية ومجالس الأقاليم والعمالات من ولوج الانتخابات البرلمانية.

هذه الخطوة تُقرأ كمحاولة لكبح تمدّد “المنتخب المتعدد القبعات” وإغلاق الباب أمام تضارب المصالح، من خلال فرض تفرغ إلزامي لمهام التدبير الترابي وترسيخ فصل فعلي للسلط بما يضع حدا لهيمنة مواقع النفوذ المحلي على القرار التشريعي ويُنعش الثقة في نقاء العملية الانتخابية.

وجاء في مشروع القانون التنظيمي الذي أعدّته وزارة الداخلية وصادق عليه المجلس الوزاري الأخير مقتضى حاسم تضمنته مادته الـ 13، إذ تقضي بجعل العضوية في مجلس النواب غير منسجمة مع رئاسة مجلس جهة، كما يمنع الجمع بين أكثر من رئاسة واحدة من بين الهيئات المنتخبة التالية، مجلس عمالة أو إقليم، مجلس جماعة، مجلس مقاطعة، مجموعة جماعات ترابية، أو غرفة مهنية.

وهذا التشديد يأتي في سياق محاولة إغلاق الباب أمام ممارسات انتخابية طالما سمحت بتجميع السلط الترابية والتشريعية لدى أشخاص بعينهم، وهو ما انعكس وفق تقييمات رسمية على جودة التشريع، وأثّر على انتظام حضور النواب داخل المؤسسة البرلمانية، وأذكى تضارب المصالح بين أجندة التنمية المحلية ومتطلبات الرقابة التشريعية.

وفي تصريح خصت به “الصحيفة”، قالت مصادر حكومية رفيعة إن الهدف المركزي من هذه المقتضيات يتمثل في إعادة الاعتبار للوظيفة البرلمانية بوصفها وظيفة رقابية وتشريعية خالصة، وليس امتدادا لنفوذ محلي أو منصة لتدبير شبكات الزبونية الانتخابية. 

وأوضحت المصادر أن التقارير الداخلية للوزارة لاحظت خلال ولايات سابقة تراجعا في أداء بعض البرلمانيين الذين يجمعون بين مسؤوليات جماعية ونيابية، بسبب الانشغال بالتدبير الترابي على حساب العمل التشريعي الدقيق، فضلا عن توظيف الموارد المحلية في حملات التأثير السياسي داخل البرلمان.

وأضافت نفس المصادر ضمن التصريح الذي خصت به “الصحيفة” أن هذا المشروع لا يندرج فقط في إطار ترتيب تقني للتنافي، بل يعكس نقلة في فلسفة تدبير الحقل الانتخابي، تماشيا مع التوجيهات الملكية التي تشدد على ترسيخ الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الفعالية المؤسساتية. 

وبحسب المعطيات التي حصلت عليها “الصحيفة”، فإن الوزارة تلقت مذكرات تقييم من هيئات حكومية مستقلة أشارت إلى تأثير “المنتخب متعدّد القبعات” على صورة المؤسسات المنتخبة، وعلى ثقة المواطنين فيها خصوصا في ظل تزايد الانتقادات المرتبطة بضعف الحضور النيابي وتدني مستوى المناقشة التشريعية.

وبحسب المصادر ذاتها، يهدف هذا التحول التشريعي أيضا إلى تصفية التمثيلية النيابية من تضارب المصالح، وخلق نخب برلمانية أكثر تفرغا قادرة على الانكباب على الملفات الكبرى للدولة والتفاعل مع الأوراش الاستراتيجية، والاستجابة لتحديات المرحلة التي تتطلب كفاءة تشريعية عالية. 

وتؤكد المصادر أن الإعداد لهذا الإصلاح سبقته جلسات تقنية داخلية ودراسات مقارنة اطلعت على تجارب أنظمة ديمقراطية تحدّ بشكل صارم من الجمع بين المسؤوليات المحلية والنيابية، باعتباره أحد مدخلات تحسين جودة القرار العمومي.

وفي خلفية هذا التشريع، تقول المصادر تكمن إرادة سياسية لإعادة هندسة قواعد اللعبة الانتخابية قبل الاستحقاقات المقبلة لـ2026 وتحرير البرلمان من ضغط شبكات النفوذ الترابي، وتعزيز الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية بعيدا عن منطق تعدد الولاءات، فالهدف النهائي، حسب تعبير مسؤول حكومي، هو “تجفيف منابع الخلط بين السلطة والتنمية المحلية وتحصين الفضاء التشريعي وضمان استقلاليته وصدقيته أمام الرأي العام”.

وينصّ القانون التنظيمي الجاري به العمل، في مادته الـ13، على مجموعة من حالات التنافي التي تُقيِّد العضوية داخل مجلس النواب، حيث تُعتبر هذه العضوية غير منسجمة مع صفة عضو في المحكمة الدستورية أو في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، كما تُمنع منعا باتّا رئاسة مجلس جهة، أو مجلس عمالة أو إقليم، أو مجلس جماعة يتجاوز عدد سكانها 300 ألف نسمة ويُناط بنص تنظيمي لاحق تحديد لائحة الجماعات المعنية، استنادا إلى آخر الإحصاءات الرسمية للسكان، في إطار ضبطٍ دقيق للخريطة الترابية للمسؤوليات المنتخبة.

وفي السياق ذاته، تُوسّع المادة 14 من القانون التنظيمي، بصيغته الحالية، نطاق حالات التنافي لتشمل أيضا العضوية في الحكومة، ليتمّ في حال وقوعها إعلان شغور المقعد البرلماني من طرف المحكمة الدستورية، وذلك بطلب من رئيس مجلس النواب، داخل أجل لا يتعدّى شهرا واحدا من تاريخ التعيين الحكومي كما تمنع المادة نفسها الجمع بين العضوية البرلمانية ومزاولة أي مهمة عمومية غير انتخابية داخل مصالح الدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية أو الشركات التي تمتلك الدولة أكثر من 30 بالمائة من رأسمالها، مع استثناء المأموريات المؤقتة المكلف بها من طرف الحكومة.

وتُرغم هذه المقتضيات كلّ نائب برلماني يوجد في حالة تناف، على طلب الوضع في حالة الإلحاق الإداري طيلة مدة انتدابه وفقا للقوانين الجاري بها العمل، وذلك بهدف قطع أي شكل من أشكال تضارب المصالح أو التأثير غير المباشر على القرارات التشريعية.

ويهدف هذا المسار الإصلاحي بالأساس إلى التصدي لظاهرة تراكم المسؤوليات الانتخابية، التي تسببت خلال السنوات الماضية في خللٍ واضح في تدبير الشأن العام المحلي، وأضعفت القدرة التشريعية لبعض النواب بسبب تضارب المصالح بين المسؤوليات الترابية والوظيفة النيابية الوطنية.

وفي مستوى آخر، نصّ المشروع على مقتضى جديد ضمن مادته 11، يقضي بتجريد أي نائب من عضويته بشكل تلقائي في حال صدور إدانة قضائية بعد انتخابه، أو في حال وجوده رهن الاعتقال لمدة تتجاوز ستة أشهر، على أن يتم ذلك بناء على إحالة من النيابة العامة أو من الجهة المكلفة بتلقي الترشيحات وهو إجراء يُقرأ كرسالة لردع الممارسات التي تُسيء إلى صورة المؤسسة التشريعية أمام الرأي العام.

كما تتيح المادة 18 لكل من مكتب مجلس النواب أو وزير العدل أو السلطة المكلفة بتلقي التصريحات بالترشيح إحالة حالات التنافي إلى المحكمة الدستورية للبتّ فيها، في حين تفرض على النائب المعني تسوية وضعه داخل أجل لا يتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ توصله بإشعار المحكمة، تحت طائلة الإقالة الفورية.

أما المادة 21، فقد حدّدت آجال الإعلان عن موعد الاقتراع، إذ نصّت على ضرورة نشر المرسوم المنظِّم للانتخابات العامة لأعضاء مجلس النواب قبل موعد الاقتراع بتسعين يوماً على الأقل، بينما تُختزل هذه المدة إلى خمسة وأربعين يوماً في حال إجراء انتخابات جزئية؛ وهي مدة اعتبرها خبراء كافية لضمان شفافية العمليات الانتخابية، وتمكين الأحزاب والمرشحين من الاستعداد وفق شروط متكافئة.



Source link

Exit mobile version