مُعاهدة خارج الخدمة.. لماذا ينجح “الناتو” في الردع الجماعي ويفشل العرب في تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك أمام العدوان الإيراني؟

adminمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مُعاهدة خارج الخدمة.. لماذا ينجح “الناتو” في الردع الجماعي ويفشل العرب في تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك أمام العدوان الإيراني؟


فرض الهجوم الإيراني المباشر على دول الخليج العربي والأردن واقعا جيوسياسيا جديدا، دفع بمنطقة الشرق الأوسط نحو حافة حرب شاملة تتجاوز حدود النزاعات التقليدية لتطال السيادة الوطنية والأمن الحيوي لهذه الدول بشكل مباشر.

ولم يعد التهديد الإيراني مجرد حرب بالوكالة عبر الأذرع والمليشيات التي زرعها في المنطقة العربية، بل تحول إلى استهداف صريح للمنشآت الحيوية الاقتصادية، والبنية التحتية، والمجالات الجوية لدول الخليج تحديدا، مما وضع منظومة العمل العربي المشترك أمام اختبار وجودي لم يسبق له مثيل في العصر الحديث.

وأمام هذا التصعيد العسكري الذي أدخل عواصم عربية في مواجهة ميدانية مفتوحة مع إيران، أضحت الحاجة ملحة لاستحضار آليات الردع الجماعي التي تأسست عليها جامعة الدول العربية، حيث يبرز التساؤل الجوهري حول أسباب غياب الرد العربي الموحد، الذي تضمنه “معاهدة الدفاع العربي المشترك” الموقعة سنة 1950، في وقت تواجه فيه دول مثل السعودية والإمارات والأردن والكويت وسلطنة عمان والبحرين تهديدات وجودية تستوجب، وفق تفعيل حق الدفاع الشرعي الجماعي لصد الاعتداءات الإيرانية المتكررة التي أربكت حسابات الاستقرار الإقليمي وأظهرت عمق الفجوة بين الخطاب القومي والواقع الميداني.

وتعد معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية الموقعة في 17 من يونيو 1950، الوثيقة الأهم في تاريخ العمل العسكري العربي الجماعي، حيث تهدف في جوهرها إلى توحيد الجهود الدفاعية لمواجهة الأخطار الخارجية.

وتتألف المعاهدة من ثلاثة عشر مادة قانونية ترتكز في مادتها الثانية على اعتبار أي عدوان مسلح يقع على أية دولة متعاقدة أو على قواتها عدوانا عليها جميعا. وبموجب هذا النص تلتزم الدول الموقعة بأن تبادر إلى معونة الدولة المعتدى عليها، وباتخاذ التدابير الضرورية لرد العدوان، بما في ذلك استخدام القوة العسكرية لإعادة الأمن والسلام.

وتضمنت الاتفاقية تشكيل مجلس الدفاع المشترك الذي يضم وزراء الخارجية والدفاع وتكون قراراته ملزمة للأعضاء إذا صدرت بأغلبية الثلثين بالإضافة إلى تشكيل لجنة عسكرية دائمة من رؤساء أركان الجيوش لتنسيق الخطط وتدبير الإمكانات الدفاعية المطلوبة.

تشمل معاهدة الدفاع العربي المشترك، من الناحية القانونية كافة الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية التي صادقت على الوثيقة عبر العقود الماضية، حيث كانت الدول المؤسسة وهي مصر والعراق والسعودية وسوريا ولبنان والأردن واليمن هي السباقة في التوقيع سنة 1950، ثم انضمت إليها تباعا دول المغرب العربي والخليج والسودان والصومال وجيبوتي وجزر القمر وفلسطين.

ورغم أن الجزائر انضمت للاتفاقية بعد استقلالها، وصادقت عليها إلا أن موقفها في الأزمات الأخيرة المرتبطة بالاعتداءات الإيرانية عكس تراجعا عن روح الالتزام الجماعي، حيث ترفض الجزائر والمجموعات الموالية لنهجها تفعيل بنود الدفاع المشترك ضد طهران متذرعة بمبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية أو الحياد الإيجابي وهو ما يضع الاتفاقية في مأزق قانوني وسياسي أمام الدول التي تواجه تهديدات مباشرة مثل دول الخليج.

تتضمن اتفاقية الدفاع العربي المشترك بنودا قانونية صارمة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها ثغرات تجعل من تطبيقها أمرا خاضعا للحسابات السياسية الفردية للدول الأعضاء.

وتتمثل أهم هذه البنود في المادة الثانية التي تنص على أن أي عدوان مسلح يقع على أي دولة متعاقدة يعتبر عدوانا على جميع الدول الموقعة على الاتفاقية، وتلتزم بموجبه الدول باتخاذ كافة التدابير بما فيها استخدام القوة المسلحة لرد العدوان، كما تنص المادة الثالثة على ضرورة التشاور المستمر بين الدول المتعاقدة عند تهديد سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي.

إلاّ أن البند الذي يجعل من مشاركة الدول تبدو اختيارية أو قابلة للتعطيل يكمن في آلية اتخاذ القرار، التي تشترط “إجماع الدول” أو أغلبية الثلثين، لتكون القرارات ملزمة للأعضاء، مما يمنح الدول المعارضة التي تتبنى مواقف رمادية مثل الجزائر حق “الفيتو الضمني” لتعطيل أي تحرك عسكري جماعي بحجة عدم وجود إجماع أو تضارب المصالح الوطنية مع طبيعة الصراع الإقليمي القائم.

لم تشهد الاتفاقية تفعيلا شاملا وحقيقيا في تاريخها الطويل إلاّ في حالات نادرة، وبشكل جزئي، مثل التنسيق الذي سبق حرب أكتوبر عام 1973 بين مصر وإسرائيل، أو في بعض أزمات الحدود المحدودة جدا، بينما غابت تماما في لحظات فارقة مثل غزو الكويت أو خلال الهجمات الصاروخية الإيرانية المتكررة على العواصم الخليجية، ولبنان.

وتعود موانع التفعيل إلى غياب الإرادة السياسية الموحدة وتفاوت تعريف التهديد بين العواصم العربية، حيث ترى بعض الدول في إيران جارا يمكن التفاهم معه، بينما تراه دول أخرى تهديدا وجوديا يوجب الرد العسكري الجماعي، بالإضافة إلى ذلك، فإن السيادة الوطنية لكل دولة والارتباطات العسكرية الخارجية بقطبية دولية حالت دون إخضاع الجيوش العربية لقيادة موحدة قادرة على تنفيذ بنود المعاهدة فور وقوع أي عدوان خارجي، مما جعل الوثيقة مجرد حبر على ورق في مواجهة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تنهال من طهران أو من إسرائيل على الدول العربية، وتستهدف أمن المنطقة.

عند إجراء قياس تاريخي وإستراتيجي بين اتفاقية الدفاع العربي المشترك، واتفاقية حلف شمال الأطلسي الناتو يظهر بوضوح أن سر نجاح الناتو في تأمين أوروبا وازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية يكمن في صرامة المادة الخامسة التي لا تقبل التأويل، وتعتبر الهجوم على عضو واحد هجوما على الكل بآلية استجابة فورية وتلقائية، مدعومة بقيادة عسكرية موحدة مدمجة وتفوق تكنولوجي هائل، بينما افتقرت الاتفاقية العربية لوجود هيكل عسكري دائم وقيادة ميدانية مشتركة تعمل خارج إطار التجاذبات السياسية للأنظمة والحكومات.

كما أن حلف الناتو استند إلى “مظلة نووية” وقيادة أمريكية مركزية فرضت الالتزام على كافة الأعضاء مما خلق ردعا حقيقيا أمام الاتحاد السوفيتي سابقا، وروسيا حاليا، في حين ظلت الاتفاقية العربية أسيرة “السيادة المطلقة” لكل دولة، مما جعلها مجرد بروتوكول تعاون اختياري يفتقر للإلزام الفعلي الذي وفرته المنظومة الأطلسية لأوروبا، والتي بفضل هذا الاستقرار الأمني الجماعي استطاعت بناء نهضة اقتصادية واجتماعية شاملة بعيدا عن شبح الحروب البينية أو التهديدات الخارجية المباشرة.

الفارق الجوهري، أيضا، في القياس يكمن أيضا في “تعريف العدو”، فبينما توحدت دول “الناتو” خلف تعريف واحد للخطر الوجودي، ظل العالم العربي منقسما في تعريف مصادر التهديد، حيث ترى دول الخليج في إيران وإسرائيل خطرا داهما يستوجب تفعيل الدفاع المشترك، بينما ترى دول أخرى في المحور نفسه حليفا أو شريكا، وهو ما أدى إلى شلل الاتفاقية العربية وتحولها إلى وثيقة تاريخية غير قادرة على مجاراة الفعّالية الميدانية لحلف “الناتو” الذي نجح في تحويل الأمن الجماعي إلى رافعة للازدهار الاقتصادي والسياسي للقارة الأوروبية بأكملها، وحمايتها من الأطماع التوسعية للقوى الإقليمية المجاورة.

إن استمرار تجميد اتفاقية الدفاع المشترك في ظل الهجمات الإيرانية المتصاعدة يرسخ حالة من الانكشاف الأمني للدول العربية، ويشجع القوى الإقليمية على الاستفراد بالدول كل على حدة، وهو ما يعمق الفجوة بين دول الخليج التي تطلب التضامن الفعلي وبين دول مثل الجزائر التي تكتفي بالخطابات والشعارات القومية دون رصيد ميداني.

وسوف يؤدي هذا العجز عن تفعيل مقتضيات المعاهدة إلى توجه الدول المهددة نحو بناء تحالفات أمنية جديدة خارج مظلة الجامعة العربية، مما يفقد المؤسسة العربية الرسمية أهم أدوات تأثيرها في حفظ التوازن الإقليمي ويحول الاتفاقية التاريخية إلى شاهد على عجز النظام الإقليمي العربي عن حماية أمنه القومي في عصر تتسيد فيه لغة القوة والتحالفات العسكرية العابرة للحدود.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق