



في الوقت الذي تعيش مدينة “القصر الكبير” والنواحي منذ أواخر شهر يناير الماضي، وضعا استثنائيا جراء فيضانات غير مسبوقة تسبب فيها فائض منسوب سد “واد المخازن” وجريان نهر “اللوكوس”، مما أدى إلى غمر أحياء سكنية بالكامل ودفع السلطات إلى إعلان حالة الاستنفار القصوى، برز تدخل القوات المسلحة الملكية لتسيير عمليان الإنقاذ والدعم، من خلال امكيانيات لوجستيكية ضخمة من شاحنات وزوارق وطائرات مروحية وعناصر مدربة للتعامل مع الظروف المناخية الصعبة والكوارث الطبيعية.
وهكذا، سارعت وحدات للهندسة العسكرية ووحدات الإغاثة والإنقاذ التابعة للقوات المسلحة الملكية إلى الانتشار في المناطق المتضررة، مع تعبئة آليات لوجستية متطورة تضم زوارق مطاطية، وشاحنات عسكرية قادرة على عبور المياه العميقة، وكذا، مروحيات تابعة للدرك (جيش الاحتياط) لإجلاء الأشخاص المحاصرين في الطوابق العليا أو في المناطق القروية المعزولة، أو لدعم عمليات إيصال المساعدات وإنقاذ المصابين.
تدخل الجيش في زلزال الحوز وفيضان القصر الكبير
تجربة زلزال الحوز تظل علامة بارزة في قدرة الدولة على التعبئة الوطنية، مع بروز دور القوات المسلحة الملكية في عمليات الإغاثة والدعم اللوجستي بعد أن وصل عدد المتضررين إلى الآلاف في مناطق جبلية صعبة كانت تحتاج لتدخل من طرف عناصر عسكرية مدربة على مثل هذه التضاريس بآليات لم يكن يتوفر عليها إلا الجيش.
وخلال الأيام الأولى للزلزال، كان هناك تنسيق مباشر بين الجيش، ووزارة الداخلية، والوقاية المدنية، والسلطات المحلية لتحديد الأولويات الإنسانية والعملية في التدخل، وهو ما أكسب المؤسسة العسكرية خبرة أكبر في التخطيط والتنسيق الميداني، كما عزز ثقة المواطنين في قدرتها على حماية الحياة والممتلكات في مظاهر الكوارث الصعبة.
على مستوى التنظيم الهيكلي، فإن القوات المسلحة الملكية المغربية تتوفر على قوة بشرية كبيرة تتجاوز الـ500,000 جندي، تُدعم عند الحاجة بآليات احتياط واسعة من المرابطين والاحتياطيين ووحدات التدخل السريع، مما يتيح لها تجميع موارد بشرية وتقنية ضخمة في وقت قياسي لمواجهة أي طارئ.
في ها السياق، أكد الضابط السابق والخبير في اللوجستيك الإنساني وتدبير الأزمات يوسف ملحوني، أن القوات المسلحة الملكية تحولت إلى ركيزة استراتيجية تضمن وحدة القرار وسرعة الانتشار وحماية المواطنين في لحظات الانكسار الجماعي حين تصبح الطبيعة نفسها تهديدا للأمن والاستقرار.
ويرى ملحوني، الخبير في تدبير الأزمات والاستجابة للكوارث والضابط السابق في القوات المسلحة الملكية، في حديثه لـ “الصحيفة” أن المغرب راكم عبر عقود من التجربة والتطوير المؤسساتي نموذجا متقدما في تدبير المخاطر الطبيعية، يقوم على التخطيط، والانضباط، والتكامل بين المؤسسات، والتعبئة الوطنية الشاملة.
ملحوني، ومن موقع المتابعة العلمية الميدانية لتدبير الأزمات، ومن خلال مساره مهني الممتد بين البحث الأكاديمي والخدمة الميدانية اعتبر أن زلزال أكادير سنة 1960 لحظة تأسيسية في الوعي الجماعي والمؤسساتي، حيث بادر الملك الراحل محمد الخامس إلى تعبئة الدولة وإرساء منطق المسؤولية العمومية في مواجهة الكوارث، قبل أن يتعزز هذا المسار في عهد الملك الحسن الثاني، ويتطور بشكل عميق في عهد الملك محمد السادس، ومنذ ذلك الحين، لم يعد التدخل في الأزمات عملا ظرفيا، بل أصبح سياسة دولة قائمة على الاستمرارية والتطوير.
اليوم، وحسب الخبير والضابط السابق، يعتمد المغرب في تدبير الكوارث على منظومة متكاملة قوامها مخطط تنظيم الإغاثة، والاستراتيجية الوطنية لتدبير مخاطر الكوارث الطبيعية 2020–2030، المبنية على الوقاية، والاستعداد القبلي والتعافي المستدام، وهي مقاربة توحّد مؤسسات الدولة داخل غرفة عمليات واحدة، وتضمن وحدة القرار، وسلاسة التنفيذ، وتقاسم المسؤوليات في لحظات الضغط القصوى.
ويُفعَّل هذا الإطار ميدانيا، وفق ملحوني عبر قيادة ترابية يقودها الوالي أو العامل حيث يتم تنسيق تدخل الوقاية المدنية، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، ووزارة الصحة، والجماعات الترابية، والمجتمع المدني. وعند حدوث أزمة، تنتقل المعلومة من مركز القيادة الترابية إلى الفرق الميدانية في زمن وجيز، وتُوجَّه الموارد حسب الأولويات، مما يحدّ من الارتباك، ويعزز ثقة الساكنة في مؤسساتها.
ومن خلال الاحتكاك المباشر بآليات التنسيق الميداني، ومتابعة سلاسل الإمداد الإنساني في السياقات المعقدة، يؤكد ملحوني أن فعالية هذا النموذج لا تقوم فقط على توفر الوسائل، بل على جودة القيادة وضبط القرار وحسن توزيع الموارد في الزمن المناسب.
ووفق هذه التراتبية المؤسساتية، أبرز المتحدث اضطلاع القوات المسلحة الملكية بدور إنساني محوري، “فهي ليست مجرد قوة تدخل طارئ، بل رافعة استراتيجية تضمن سرعة الانتشار، والاكتفاء اللوجستي، والانضباط القيادي، والقدرة على العمل في أصعب الظروف، وقد برز ذلك، مثلا، خلال زلزال الحوز، حيث تم فتح المحاور الجبلية في زمن قياسي، ونقل الجرحى جوا، ونصب مخيمات الإيواء خلال ساعات قليلة، مما ساهم في تقليص الخسائر الإنسانية بشكل ملموس” وفق تعبير المتحدث.
القوات المسلحة الملكية تعبّئ مروحيات “شينوك” لدعم الساكنة المتضررة ونقل مساعدات إنسانية بإقليم سيدي قاسم pic.twitter.com/eq6D53xMbS
— Assahifa – الصحيفة (@assahifa_ar) February 7, 2026
كما أكدت أحداث القصر الكبير، حسب الخبير قدرة القوات المسلحة على الانتشار السريع في المناطق المغمورة بالمياه، وتأمين السكان وتوفير الإمدادات الأساسية، وإعادة ربط المناطق المتضررة بالمراكز اللوجستية والطبية، في ظروف بالغة التعقيد فيما تتميّز منظومات الإيواء والدعم التي تُنشئها القوات المسلحة باحترامها للخصوصيات الاجتماعية والثقافية، وبتوفيرها فضاءات تحفظ كرامة الأسر، وتراعي احتياجات الأطفال والنساء وكبار السن، وفق مقاربة إنسانية تراعي الكرامة والاستقرار المجتمعي.
ولا يقل البعد الصحي أهمية، حيث تتميز القوات المسلحة حسب ملحوني بقدرتها على إنشاء مستشفيات جراحية ميدانية في زمن قياسي، مجهزة بوحدات الجراحة والإنعاش والتوليد والإسعاف المتقدم، وتعمل بتنسيق وثيق مع وزارة الصحة لضمان استمرارية الخدمات العلاجية، كما يتم تعزيز هذه المنظومة بفرق نسوية متخصصة في الدعم النفسي والاجتماعي، تسهم في مواكبة الفئات الهشة، والتخفيف من آثار الصدمة الجماعية.
ويشكل النقل الجوي يضيف المتحدث “ركيزة أساسية في هذه المنظومة، حيث تضطلع القوات الجوية الملكية، والدرك الملكي الجوي بمهام الإجلاء الطبي، ونقل المؤن، وربط المناطق المعزولة بمراكز القرار ويزداد هذا الأداء فعالية مع توظيف الطائرات بدون طيار، وصور الأقمار الصناعية، ونظم المعلومات الجغرافية، التي أصبحت أدوات استراتيجية في تقييم الأضرار، وتتبع تطور الفيضانات والزلازل، وتوجيه فرق التدخل بدقة عالية”.
تداريب “الأسد الإفريقي” عامل مهم في تكوين عناصر من الجيش عالية الكفاءة في تدبير الكوارث والعمل تحت أقسى الظروف
مع تطور تدخل القوات المسلحة الملكية في العديد من الكوارث الطبيعية سواء داخل المغرب أو ضمن البعثات الأممية في مختلف مناطق العالم التي يساهم فيها الجيش المغربي بعناصره، برزت أهمية التكوين والاستعداد للعمل تحت ظروف طبيعية قاسية، وتحت ضغط رهيب لتقليل الخسار البشرية عند وقوع الكوارث الطبيعية، من زلازل وفيضانات تحديدا.
في هذا السياق، يشدد الضابط السابق والخبير في اللوجستيك الإنساني وتدبير الأزمات يوسف ملحوني، على أنه لا يمكن فهم هذا المستوى من النجاعة دون استحضار الاستثمار المستمر في التكوين والتدريب، وعلى رأسه مناورات “الأسد الإفريقي” التي طورت قدرات القيادة، والتنسيق متعدد الوحدات، وإدارة اللوجستيك في البيئات المعقدة، والعمل تحت الضغط. كما عززت هذه التمارين قابلية التشغيل المشترك، ورسخت ثقافة الجاهزية داخل المؤسسة العسكرية.
وإلى جانب ذلك، أكد الضابط السابق أن القوات المسلحة الملكية راكمت خبرة دولية مهمة من خلال مشاركتها في بعثات حفظ السلام والعمل الإنساني تحت إشراف الأمم المتحدة، خاصة في كلٍّ من كوت ديفوار، والكونغو الديمقراطية، وإفريقيا الوسطى، والصومال، حيث ساهمت في حماية المدنيين، وتدبير المخيمات، وتقديم الدعم الطبي واللوجستي في بيئات عالية الهشاشة.
مروحية تابعة للدرك الملكي توصل مساعدات لدواوير معزولة بإقليم سيدي قاسم غرب المغرب pic.twitter.com/FUxgNk0Jyv
— Assahifa – الصحيفة (@assahifa_ar) February 6, 2026
كما اضطلعت القوات المسلحة الملكية بأدوار إنسانية متميزة في سياقات خاصة، من بينها تدخلها في لبنان عقب انفجار مرفأ بيروت، وفي جنوب السودان في إطار إفريقي قائم على روح التعاون القاري، إضافة إلى مشاركتها في البوسنة وكوسوفو ضمن عمليات دولية متعددة الأطراف وقد مكّنت هذه التجارب المتنوعة من بناء رصيد مهني متقدم في إدارة الأزمات المعقدة، يُعاد توظيفه اليوم لتعزيز فعالية التدخل الوطني داخل المغرب.
ويُمارَس هذا الدور في إطار توجيهات الملك محمد السادس القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، التي تضمن توحيد القرار الاستراتيجي، وتسريع التعبئة، وضمان الانسجام بين المدني والعسكري، وتركيز الموارد على الأولويات الإنسانية.
ومن خلال تتبع تدخل الجيش المغربي في الكوارث الطبيعية منذ الاستقلال الممتد من زلزال أكادير إلى زلزال الحسيمة، ثم زلزال الحوز، وصولا إلى فيضانات القصر الكبير، يتضح حسب ملحوني “أن المغرب انتقل من منطق التدبير الظرفي إلى بناء منظومة سيادية لإدارة المخاطر، تجمع بين المعرفة العلمية، والخبرة الميدانية، والقيادة المؤسساتية، والتضامن المجتمعي.”
غير أن هذا التقدم مهما كان مهما، يضيف الخبير “لا يعفي من مواصلة الإصلاح، فالتحديات المناخية المتزايدة تفرض تسريع تأهيل البنيات التحتية، وضبط التوسع العمراني، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وترسيخ ثقافة الوقاية، وتحسين التواصل العمومي خلال الأزمات، حتى لا تتحول الإشاعة إلى عامل مضاعف للخطر”.
Source link
