يسابق الطبّ عقارب الزمن بخطى التكنولوجيا، فيما يشهد المغرب ميلاد مشروع قد يُغيّر وجه الخدمات الصحية في إفريقيا بأكملها، وهو المركّب الاستشفائي الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط، الذي افتتحه الملك محمد السادس الاثنين الماضي، في لحظة وُصفت بأنها “تاريخية في مسار السيادة الصحية للمملكة”.
ويمتد هذا الفضاء على مساحة تزيد عن 280 ألف متر مربع، ليكون الأكبر من نوعه في إفريقيا، والحديث هنا عن منشأة طبية تعليمية رقمية تضع التكنولوجيا في خدمة المريض، وتجعل من الذكاء الاصطناعي شريكا للطبيب في اتخاذ القرار العلاجي والتشخيصي، في انسجام تام مع التحول الرقمي الذي يشهده المغرب.
وعلى مقربة من مستشفى ابن سينا، الذي يُعدّ رمزا لتاريخ الطب المغربي الحديث، يقف المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس شاهدًا على انتقال المغرب إلى مرحلة “الطب الذكي”، إذ يضم مختبرات أوتوماتكية بالكامل، وصيدلية روبوتية، ومركبات جراحية هجينة تُدار بمعطيات رقمية في الزمن الحقيقي، ما يجعل منه مركزًا استشفائيًا جامعًا للطبّ، والبحث، والابتكار.
ولعلّ ما يمنح المشروع بعده الإنساني هو التزامه بمبدأ “التعريفة المرجعية الوطنية” في تسعير الخدمات، بما يجعل الطبّ عالي التقنية في متناول الجميع، وكما أوضح مديره العام، أحمد بنانة، في تصريح خاص لـ”الصحيفة” فإن المستشفى لا يهدف إلى تقديم ترف طبي، بل إلى دمقرطة العلاج عالي الجودة ليصبح الروبوت في خدمة المريض البسيط كما هو في خدمة الميسور.

وفي حديث لـ”الصحيفة”، أوضح أحمد بنانة، المدير العام للمستشفى الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط، أن المؤسسة الجديدة لا تُبنى على فكرة المنافسة مع المستشفيات العمومية، بل على فلسفة التكامل والتكافؤ في الولوج إلى العلاج، مشددا على أن “جوهر المشروع هو الإنصاف الصحي وليس الرفاهية الطبية”.
وقال بنانة إن المستشفى يعتمد التعريفة الوطنية المرجعية في جميع خدماته الطبية، حتى لا يكون المال عائقا أمام المريض، مضيفا “الفئات المستفيدة من نظام أمو تضامن تتمتع بتغطية صحية مهمة، أما الفرق المتبقي فيتحمّله المستشفى بالكامل، لأن هدفنا هو أن لا يبقى أحد خارج دائرة الحق في العلاج.”
وشدّد المدير العام للمؤسسة، على أن هذه المقاربة “تندرج في صلب التوجه الملكي القائم على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية في القطاع الصحي”، مضيفا أن مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة وضعت هذا المشروع ضمن “خطة استراتيجية تهدف إلى تحقيق نموذج صحي مغربي موحّد ومندمج، تُلغى فيه الفوارق بين الطب العمومي والخاص، ويُكرّس فيه المبدأ القائل إن الصحة ليست امتيازا، بل حق مواطن”، مردفا “نحن لا نبيع خدمة، بل نضمن حقًا دستوريا، وهذه فلسفتنا”.
ويقع المستشفى، الذي يُعدّ الأكبر من نوعه في إفريقيا، على مساحة إجمالية قدرها 280 ألف متر مربع، تضم 190 ألف متر مربع مخصصة للمستشفى الجامعي و90 ألف متر مربع لجامعة محمد السادس للعلوم والصحة، في تكاملٍ وظيفي نادر يجمع بين التكوين والبحث والعلاج في حرمٍ واحد.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية الحالية 600 سرير، على أن تصل قريبا إلى 1000 سرير، فيما يضم المجمع 24 غرفة عمليات، بينها قاعات هجينة متصلة بأنظمة روبوتية متطورة، إضافة إلى 143 سريرا للعناية المركزة، منها 30 حاضنة لحديثي الولادة كما يضم أكثر من 30 قطبا طبيا متخصصا، تشمل مجالات الجراحة العصبية، طب القلب التداخلي، الأورام، الطب النووي، والعلاج الإشعاعي، إلى جانب وحدات متقدمة لعلاج الحروق البليغة والعلاج بالأكسجين عالي ومنخفض الضغط، وهي التقنية الأولى من نوعها في المغرب وإفريقيا.
ولعل أبرز ما يميز هذا الصرح هو اعتماده الكلي على الذكاء الاصطناعي والروبوتات في الفحص والعلاج والتدبير فالمستشفى مجهز بمنظومات آلية متكاملة، تشمل مركزا جراحيا روبوتيا متطورا بمساحة 3400 متر مربع، قادر على تنفيذ عمليات فائقة الدقة مثل الجراحة العصبية بمساعدة أجهزة الملاحة الذكية، والجراحة الروبوتية للقلب والدماغ والعظام، باستخدام سكانير روبوتي متحرك يُتيح للجراحين مراقبة وتعديل مسار العمليات في الوقت الحقيقي.
وأكد بنانة لـ “الصحيفة” أن “المغرب يدخل اليوم عصر الطب الذكي، حيث يصبح الروبوت شريكا للطبيب وليس بديله، يضمن الدقة المطلقة ويختصر زمن الجراحة والتعافي”.
كما يُعتبر المستشفى من بين الأوائل في القارة الإفريقية التي تعتمد صيدلية روبوتية بالكامل، تدير الأدوية آليا من خلال نظام دقيق للتتبع والتوزيع يمنع الأخطاء البشرية في صرف العلاجات ويحتوي أيضا على مختبر تشريح مرضي رقمي، هو الأول من نوعه في المغرب، يتيح قراءة العينات الخلوية وتحليلها رقميا باستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي، إلى جانب منصّة مختبرية مؤتمتة بالكامل، وهي الأولى في إفريقيا، تُنجز التحاليل البيوكيميائية والمناعية وطبّ الدم دون تدخل بشري مباشر، مما يُقلص زمن التشخيص ويزيد موثوقية النتائج.
وفي هذا السياق، يوضح المدير العام أن هذه التكنولوجيات ليست مظهرا للتحديث فحسب، بل هي “أداة لتحقيق المساواة في الحصول على أفضل علاج ممكن داخل البلاد”، وقال “الروبوتات والذكاء الاصطناعي ليست رفاهية، هي وسيلة لتمكين كل مغربي من الحصول على رعاية طبية بمستوى المعايير العالمية، دون الحاجة للسفر أو الأداء المفرط، نحن لا نرفع كلفة العلاج، بل نرفع مستواه”.
أما في الجانب الأكاديمي، فإن الجامعة المرافقة للمستشفى تُعدّ بدورها أحد أبرز مكونات المشروع، إذ توفر تكوينا متعدد التخصصات في الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض والهندسة الطبية، بطاقة استيعابية تبلغ 8000 طالب، وتضم فضاءات بحثية حديثة ومختبرات متخصصة مرتبطة سريريا بالمستشفى.
ويُعتبر هذا الدمج بين الجامعة والمستشفى نواة لما يُعرف بـ”الطب المندمج” الذي يربط التجربة السريرية بالمختبر العلمي في دورةٍ واحدة من المعرفة، تُترجم شعار “من السرير إلى المختبر… والعودة إلى السرير”.
وفي هذا الإطار، أكد بنانة أن مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة أحدثت مركز محمد السادس للعلوم والأبحاث، وهو فضاء مفتوح أمام جميع الطلبة والباحثين المغاربة، ومجهز بأحدث التقنيات لدعم البحث العلمي الوطني، خاصة في مجالات التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي الحيوي.
وقال في هذا الصدد “نحن نؤمن بأن السيادة الصحية لا تتحقق من دون السيادة العلمية، والمركز الجديد يترجم بوضوح هذه الفلسفة الملكية التي تجعل من البحث العلمي محركًا للتنمية الصحية في المغرب وإفريقيا”.
ويمتدّ هذا الطموح إلى البعد القاري أيضا، إذ يُراد للمركب الاستشفائي الجامعي الدولي محمد السادس أن يكون مرجعا إقليميا للتكوين الطبي والبحث والعلاج في إفريقيا، ووجهة للمرضى الأفارقة الراغبين في الاستفادة من الطب الذكي بتكلفة منصفة وجودة عالية.
ويؤكد بنانة في حديثه لـ “الصحيفة” على هامش زيارة قام بها الصحافيون لهذه المؤسسة الاستشفائية الجديدة أمس الأربعاء أن “هذا الصرح ليس للمغاربة فقط، بل لكل إفريقيا فالمغرب لا يطمح إلى التميز المحلي فحسب، بل إلى أن يكون جسرا للتعاون العلمي والطبي جنوب – جنوب”.
كما شدّد المدير العام على أن موقع المستشفى بجوار مستشفى ابن سينا لم يكن مصادفة، بل اختيارا استراتيجيا للتكامل بين القطاعين العام والمؤسساتي، قائلًا “نحن لا نعمل في عزلة، بل نتقاطع مع ابن سينا في الرؤية والوظيفة، والهدف هو بناء منظومة وطنية موحدة، حيث لا توجد حدود بين العام والخاص، بل جسورٌ للتعاون”.
وختم بنانة تصريحه بالقول “إن ما نعيشه اليوم هو ثورة هادئة تقودها رؤية ملكية متبصّرة نحن لا نبني مستشفى فقط، بل نؤسس لمستقبل جديد للطب المغربي، قائم على التكنولوجيا، والبحث، والعدالة، وهذا المشروع هو وعدٌ بأن كل مغربي، مهما كان موقعه سيجد علاجه داخل وطنه، بكرامة، وبجودة، وبثقة.”