حذّرت الكونفدرالية العامة للشغل، في رسالة وجهتها إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مما وصفته بـ”عراقيل ممنهجة تستهدف العمل النقابي” داخل قطاعات الصحة والتعليم والقطاع الخاص، متهمة مؤسسات رسمية بالتضييق على الحريات النقابية وتعطيل تسليم وصولات التأسيس والإقصاء من الحوار الاجتماعي، كما اعتبرت أن اتساع الهوة بين النصوص القانونية وتطبيقها على أرض الواقع بات يهدد الوساطة الاجتماعية ويطرح أسئلة حادة حول مدى احترام القوانين ودولة الحق داخل المشهد المهني.
واختارت الكونفدرالية العامة للشغل توجيه رسالة مفتوحة مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، لتكشف عن تصدع عميق في علاقة جزء من الحركة النقابية بمؤسسات الدولة إذ لم تأت الرسالة بصيغة مطلبية تقليدية جرت بها العاجة بل حملت نبرة تحذير صريحة مما وصفته بـ”العراقيل الممنهجة” التي تطال العمل النقابي داخل عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الصحة والتعليم والقطاع الخاص، وطرحت تساؤلات مباشرة حول واقع حماية الحقوق النقابية ومدى احترام المؤسسات الحكومية للدستور والقوانين المؤطرة للحريات العامة.
المركزية النقابية في مراسلتها التي اطلعت عليها “الصحيفة”، دقّت ناقوس الخطر بشأن ما اعتبرته اتساعا متزايدا للهوة بين النصوص القانونية وأجرأتها على أرض الواقع، متسائلة عمّا إذا كانت الممارسات الحالية تسير فعلا في اتجاه ترسيخ دولة الحق والقانون أم أنها تظل في نظرها، مجرد شعارات للاستهلاك الخارجي وتسويق صورة مغايرة للواقع المعاش داخليا وذا التساؤل الذي صيغ بنبرة حادة، يكشف عن إحساس متنامٍ داخل التنظيم النقابي بأن الإطار القانوني الذي يضمن الحريات النقابية لا يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي داخل الإدارات والمؤسسات.
وتذهب الرسالة أبعد من ذلك حين تطرح سؤالا جوهريا حول جدوى الاستمرار في العمل النقابي نفسه في ظل ما تصفه بوجود “آلة بيروقراطية وقمعية” تسعى وفق تعبيرها، إلى إخضاع الأصوات الحرة ودفعها للاصطفاف مع ما سمته “جوقة المطبلين”.
وتؤكد الكونفدرالية أنها منذ تأسيسها سنة 2014، تواجه عراقيل ممنهجة تتخذ أشكالا مختلفة داخل الوزارات والمؤسسات العمومية، موجهة انتقادات صريحة إلى تدخلات وزارة الداخلية ومصالحها، إضافة إلى ما تقول إنه تضييق يمارس داخل القطاع الخاص، معتبرة أن الدولة تتجه نحو الحفاظ على خريطة نقابية “على المقاس” تضمن استمرار التوافقات القائمة وتحدّ من بروز أصوات نقابية مستقلة.
وسردت الرسالة ما وصفته بسلسلة من التضييقات والمآسي التي عاشتها الطبقة العاملة المنضوية تحت لواء النقابة، مستشهدة بحالات طرد وتشريد طالت مكاتب نقابية وممثلي الأجراء في عدد من القطاعات الحيوية، ومن بين المؤسسات التي ذكرتها الرسالة بالاسم صندوق الإيداع والتدبير ومؤسساته الفندقية، ومؤسسة “NOVEC” إلى جانب قطاع النقل بالدار البيضاء، وفندق أومليل، وعدد من المطابع وقطاع التدبير المفوض.
وتعتبر النقابة أن هذه الوقائع تعكس في نظرها، واقعا يجعل الحق في التنظيم النقابي يتحول إلى مجرد خطاب نظري للاستهلاك، في ظل تقلص دائرة الحريات وفقدان الإحساس بالعيش داخل دولة تحترم قوانينها وتضمن التوازن بين الإدارة والعمال.
كما خصصت الرسالة حيزا مهما لانتقاد ما وصفته بتماطل مصالح وزارة الداخلية في تسليم وصولات التأسيس والتجديد، معتبرة أن هذا السلوك يعكس درجة من “السلطوية” في تدبير مجال الحريات العامة، ويُفرغ العمل النقابي من مضمونه القانوني.
وسجلت أيضا استنكارها لما اعتبرته إقصاء متعمدا من الحوارات الاجتماعية والمشاورات المرتبطة بالقضايا المجتمعية تحت ذريعة معيار “الأكثر تمثيلية” وهو ما ترى فيه محاولة لإعادة تشكيل المشهد النقابي وفق توازنات محددة سلفا وإلى جانب ذلك، تحدثت عن حرمانها من الدعم العمومي ودعم التكوين رغم نشاطها الميداني إضافة إلى فرض شروط وصفتها بالتعجيزية مرتبطة بتوفير مقرات عند وضع ملفات التأسيس بما يؤدي، حسب تقديرها، إلى تقليص هامش تحركها وإضعاف قدرتها التنظيمية.
وتوقفت الرسالة بشكل مطوّل عند الوضع داخل قطاعي التعليم والصحة، في سياق يتزامن مع سنة 2026 التي تصادف سنة انتخابات مهنية، معتبرة أن المؤشرات داخل هذين القطاعين تعكس مستوى مرتفعا من التوتر ففي قطاع التعليم، أوضحت أن النقابة الوطنية للتعليم لم تتسلم وصلها القانوني منذ أكثر من سنة، وتقول إنها تواجه ما وصفته بـ”حرب شرسة” تمنعها من عقد لقاءاتها وتنظيم أنشطتها، وصلت وفق ما ورد في الرسالة إلى حد فبركة ملفات تأديبية ضد عدد من مناضليها بسبب انتمائهم النقابي.
أما في قطاع الصحة، فتتحدث الرسالة عن استمرار ما تسميه “الهجوم الممنهج” على الحريات، حيث يُحرم المسؤولون النقابيون بحسب مضمون المراسلة، من حقوقهم المهنية، في الوقت الذي يستفيد فيه من وصفتهم بـ”الأشباح” والمقربين من الإدارة من امتيازات مرتبطة بالتعويضات والسكن الوظيفي.
وفي ختام رسالتها، التي وجهت نسخا منها أيضا إلى وزيري التربية الوطنية والصحةة خلصت الكونفدرالية العامة للشغل إلى أن هذه المؤشرات كما تراها، تعكس ابتعادا عن حماية الحق في التنظيم النقابي وتدبيرا “مغلوطا” للمشهد النقابي، وهو ما يؤدي وفق تحليلها، إلى اتساع دائرة العزوف عن العمل النقابي داخل صفوف الشغيلة فيما ترى النقابة أن هذا المسار لا يضعف فقط الحريات، بل يساهم كذلك في “قتل الوساطة الاجتماعية” التي تشكل إحدى ركائز التوازن داخل المجتمع.
وتحذر المراسلة من أن استمرار هذا الوضع قد يفتح المستقبل على سيناريوهات مجهولة، لا تخدم بحسب تعبيرها مصلحة الدولة ولا استقرار البلاد، داعية إلى تصحيح الاختلالات وإرجاع الأمور إلى نصابها، بما يضمن احترام القوانين المنظمة للعمل النقابي ويعيد الثقة داخل الفضاء الاجتماعي.
