بينما حاول البعض اختزال الحضور النسائي داخل البرلمان في مجرد تأثيث للمشهد السياسي أو إكمال النصاب، برز صوت المناضلة النسائية والحقوقية لطيفة الجبابدي داخل القبة التشريعية، يجر خلفه عقودا من النضال ورفض الظلم والتمييز، ليبصم على واحدة من أهم المشاركات النيابية للنساء المغربيات.
بين سنتي 2007 و2011، دخلت الجبابدي البرلمان نائبة عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لتترك بصمة قوية في التجربة البرلمانية المغربية، حيث ركزت على التنمية الاجتماعية وحقوق النساء، وترافعت من أجل تسليط الضوء على مجموعة من القضايا والملفات، مستندة إلى خلفيتها الحقوقية وتكوينها الأكاديمي الرزين.
حضور الجبابدي داخل البرلمان لم يكن بداية المسار، بل تتويجا لمسيرة زاخرة من العطاء النضالي وتاريخًا طويلًا من النضال، امتد لسنوات قبل دخولها المؤسسة التشريعية، حيث كان اسمها، ولا يزال، مرتبطًا بالحركة النسائية المغربية والدفاع المستمر عن المساواة وحقوق المرأة.
سنوات الرصاص والصمود
داخل أسرة متشبعة بالحقوق، رأت لطيفة الجبابدي النور في 26 يناير 1955 بمدينة تزنيت، لتنشأ إلى جانب إخوتها الخمسة في بيئة غنية بالقيم الاجتماعية والالتزام، تشربت فيها مبادئ الدفاع عن الحق والكرامة، وهي القيم التي شكلت أساس نضالها لاحقًا في الساحة السياسية والاجتماعية.
درست السلك الابتدائي والإعدادي بمدينة تيزنيت قبل أن تشد الرحال إلى القسم الداخلي بمدينة أكادير لإتمام دراستها الثانوية بمؤسسة يوسف ابن تاشفين. هناك بدأت علاقة الجبابدي بالنضال بدأت في سن مبكرة، إذ كانت من الوجوه البارزة للحركة التلاميذية مطلع سبعينات القرن الماضي، وتزعمت احتجاجات عارمة في أكثر من مناسبة جعلت أعين الأجهزة الأمنية تضعها على رأس المطلوبين، قبل أن يتم طردها من الدراسة لتضطر لنيل “بكالوريا أحرار”.
عاشت خلال الدراسة الثانوية فترة طويلة من المتابعة والملاحقات ومحاولات الاختطاف، قبل أن تلجأ الأجهزة إلى استقدام والدها من تيزنيت لإخراجها من وسط الحشود المحتجة، مما سبب تصاعد احتجاجات رفاقها. انخرطت لطيفة بقوة في صفوف ما عُرف باليسار الجديد حيث عملت على تنظيم خلايا الحركة الماركسية اللينينية المغربية، الأمر الذي سيقودها إلى غياهب السجون في رحلة مريرة.
المبتسمة بوجه الجلاد
اعتقلت الجبابدي من وسط أسرتها سنة 1977 لتقضي سنتين ونصف داخل السجن، منها ثمانية أشهر داخل المعتقل السري درب مولاي الشريف سيء الذكر، حيث كانت عائلتها تجهل مصيرها، بينما كانت تحت الاستنطاق المستمر والتعذيب، تواجه عنفا مضاعفا بسبب جنسها، حيث كان الجلادون يطلقون عليها ورفيقاتها أسماء رجالية.
كانت الجبابدي تواجه التعذيب الذي تتعرض له بابتسامة مستمرة، حتى أطلق عليها الحراس لقب سمكة “الباصيونارية” التي تبقى مبتسمة حتى خلال القلي. صمودها خلال التعذيب أثار إعجاب حتى المسؤولين عن المعتقل السري رغم الاصطفاف ضمن مواقع مختلفة.
بعد إطلاق سراحها، واصلت الجبابدي العمل إلى جانب رفاقها ضمن حركة “23 مارس” الراديكالية، قبل أن تنتمي إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي انشقت عنها أواسط تسعينيات القرن الماضي إثر خلافات سياسية، قبل أن تلتحق بعد سنوات بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
الحركة النسائية والإعلام
في عام 1987، أسست الجبابدي وترأست اتحاد العمل النسائي، واحدة من أهم المنظمات النسائية المغربية، وكانت وراء حملة “مليون توقيع” لتعديل مدونة الأحوال الشخصية، وهي الخطوة التي كانت من أهم اللحظات لإصدار مدونة الأسرة التي مكنت المرأة المغربية من عدة حقوق.
كما تركت بصمة واضحة في الإعلام النسائي، بتأسيسها جريدة “8 مارس” في الثمانينيات، أول تجربة إعلامية نسوية متخصصة في المغرب، والتي تحولت إلى منبر فكري لمواجهة التمييز والصور النمطية حول المرأة، مؤكدة أن الإعلام يمكن أن يكون قوة للنضال الاجتماعي والسياسي.
خاضت لطيفة مسارا طويلا في المطالبة بحقوق النساء ورفض العنف ضد المرأة ورفض تزويج الفتيات القاصرات، مواجهة خلال ذلك الثقافة المجتمعية الذكورية التي تكرس هشاشة وضع النساء.
سلاح المعرفة
اختارت لطيفة أن تجعل من المعرفة سلاحًا للنضال والمواجهة، درست علم الاجتماع في الرباط، ثم واصلت مسارها الأكاديمي في جامعة مونتريال بكندا، حيث أنجزت أطروحة دكتوراه حول سياسات دمج المرأة في التنمية، لتؤكد أن النضال يحتاج إلى رؤية علمية ومعرفية، بجانب العمل الحقوقي والسياسي.
نضالها الحقوقي والسياسي أهلها للاعتراف الدولي، إذ عينتها الأمم المتحدة في 1998 سفيرة للمجتمع المدني لحقوق الإنسان في المغرب العربي والعالم العربي، ومنسقة للمسيرة العالمية للنساء. كان اسم الجبابدي حاضرًا أيضًا داخل هيئة الإنصاف والمصالحة، التي عملت على كشف الحقيقة وجبر ضرر ضحايا سنوات الرصاص، مما أضاف بعدًا وطنيًا لمسارها النضالي، مؤكدًا التزامها بالمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.
نسقت المؤتمر الإقليمي للمنظمات غير الحكومية النسائية الإفريقية في فيينا عام 1993. وفي نونبر 2024، انتخبت نائبة لرئيسة شبكة النساء الإفريقيات من أجل العدالة الانتقالية بمقر الاتحاد الإفريقي. حصلت على “جائزة القيادة العالمية” من منظمة “Vital Voices” في واشنطن عام 2005، ووشحها الملك محمد السادس بوسام ملكي من درجة ضابط تقديرًا لمسارها النضالي والعلمي.
اليوم، ما يزال صوت لطيفة الجبابدي حاضرًا في النقاش العمومي، خاصة في القضايا المرتبطة بالمساواة وإصلاح مدونة الأسرة، حيث تنتقد الإصلاحات الجزئية التي لا تحقق المساواة الكاملة، وتدعو إلى ثورة ثقافية لإعادة بناء المجتمع على أساس العدالة والمساواة والندية بين الجنسين.
مسار لطيفة الجبابدي جمع بين النضال والفكر والعمل المؤسسي، ما يجعلها واحدة من أبرز وجوه الحركة النسائية في المغرب، أيقونة للدفاع عن الحرية والمساواة، واعتقاد أن المساواة ليست شعارًا، بل معركة مستمرة.
