“هزوا عرش البرلمان”(4)/ فتح الله ولعلو.. “الذراع الاقتصادية” لتجربة التناوب

adminمنذ ساعتينآخر تحديث :
“هزوا عرش البرلمان”(4)/ فتح الله ولعلو.. “الذراع الاقتصادية” لتجربة التناوب


في زمنٍ كانت فيه لغة الأرقام غريبة عن حماسة المنابر وصخب الشعارات السياسية، برز داخل البرلمان صوتٌ أكاديميٌّ رصين، يؤمن بأن السياسة علمٌ قبل أن تكون مجرد موقف. لم يكن ذلك الصوت عابرًا في مشهد سياسي متوتر، بل كان يعكس تحوّلًا عميقًا في طريقة اشتغال جزء من النخبة المغربية. إنه فتح الله ولعلو، أحد أبرز الوجوه التي رافقت انتقال المغرب من زمن المعارضة الصدامية إلى أفق التناوب والتدبير.

قادما من رئاسة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب إلى عضوية مجلس النواب باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، تمكن ولعلو، ذو التكوين الاقتصادي، من حجز مقعد سياسي في واجهة النقاش العمومي، حيث ترأس الفريق الاتحادي في أحد أهم اللحظات السياسية في تاريخ الحزب والبلاد، قبل أن تتبدل المواقع ليصبح ذراعا اقتصادية في حكومة التناوب.

تُقدم حلقات “هزّوا عرش البرلمان” خلال شهر رمضان بورتريهات لشخصيات برلمانية وسياسية تركت بصمتها في تاريخ المؤسسة التشريعية بالمغرب، من خلال مواقف جريئة أو مبادرات مؤثرة أو أدوار بارزة في لحظات مفصلية من النقاش السياسي

وُلد ولعلو سنة 1942 بالرباط، في سياق وطني كان لا يزال يتلمس طريقه نحو الاستقلال، وسرعان ما انخرط مبكرًا في أسئلة السياسة والاقتصاد معًا. لم يكن مساره وليد الصدفة، بل تشكّل داخل فضاءين متكاملين: الجامعة، حيث تُصاغ الأفكار، والحقل السياسي، حيث تُختبر.

في ستينيات القرن الماضي، وسط مناخ طلابي مشحون بالصراع والأحلام الكبرى، برز كأحد قيادات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، حيث قاد مؤتمره الحادي عشر، في مرحلة كانت المنظمة فيها مشتلاً لإنتاج النخب السياسية والفكرية.

التزامه النضالي لم يكن على حساب التكوين العلمي؛ فقد تابع دراسته بكل من كلية الحقوق بالرباط سنة 1964، وكلية الحقوق والعلوم الاقتصادية ومعهد الدراسات السياسية بباريس سنة 1966، قبل أن يحصل على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية سنة 1968. في فرنسا، تأثر بنقاشات اليسار العالمي وأسئلة التنمية والتحرر، ما ساهم في تبلور ملامح شخصيته التي تجمع بين صرامة الأرقام بلغة السياسة.

يعتبر ولعلو نفسه ابنًا للحركة الوطنية، إذ تأثر بشكل كبير بوالده الذي انخرط في الحركة الوطنية منذ الثلاثينات وشارك في أحداث 1944 وتضامن مع فرحات حشاد. نشأ فتح الله في بيت كان يستقبل اجتماعات وطنية وفضاءً للتعبئة السياسية. كما درس في مدارس وطنية عصرية حيث كان أساتذته منخرطون في الحركة الوطنية، وكانت الأناشيد الوطنية أداة لتشكيل الوعي.

تأثر ولعلو بقامات الحركة الوطنية واليسار المغربي، من قبيل المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد، كما رافق أسماء فكرية وازنة، أبرزها عبد العزيز بلال، الذي أسس معه سنة 1972 جمعية الاقتصاديين المغاربة، في محاولة مبكرة لبناء تفكير اقتصادي وطني مستقل، قادر على قراءة تحولات الاقتصاد المغربي خارج القوالب الجاهزة.

مع منتصف السبعينيات، انتُخب ولعلو نائبًا برلمانيا عن الرباط، في فترة اتسمت بحدة التوتر السياسي بين السلطة والمعارضة. جعل من تكوينه الاقتصادي سنده في النقاش السياسي ومهاجمة اختيارات الحكومة، كما حول درايته بالأرقام إلى أداة للفهم والاقتراح، بدل الشعارات الفضفاضة.

بلغت تجربة ولعلو ذروتها بين 1993 و1997، حين تولى رئاسة الفريق الاشتراكي في البرلمان، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المغرب المعاصر. كان البلد يعيش على إيقاع أسئلة الانتقال، بين منطق المعارضة المستمرة وإمكانية الانخراط في تجربة حكم توافقية.

في تلك الفترة، واجه ولعلو تحديات كبيرة، أبرزها الصراع مع إدريس البصري، الذي شكل اختبارًا مستمرا للاتحاد الاشتراكي، حيث يعبر عن مواقف مناصرة للديمقراطية واحترام صناديق الاقتراع، كما كان مهاجما لتدخل الإدارة في الأحزاب وصناعتها لإضعاف المعارضة.

عاش القيادي الاتحادي لحظات سياسية كثيرة داخل البرلمان، منها مقاطعة الدستور وملتمس الرقابة، وتهديد نواب الاتحاد بالانسحاب من البرلمان سنة 1981 الأمر الذي جلب عليهم سخط الحسن الثاني، غير أن ولعلو ظل مؤمنا بالتدرج في الإصلاح بدل القطيعة والصدام.
  

دوره داخل البرلمان لم يقتصر على الاحتجاج، بل شمل تهيئة خطاب الاتحاد الاشتراكي، ليصبح قادرًا على تحمل مسؤولية التدبير، وتحويل المعارضة إلى قوة اقتراحية تمتلك تصورات بديلة، دون أن تفقد روحها النقدية.

شكلت سنة 1998 منعطفًا حاسمًا، حين اختاره الملك الحسن الثاني وزيرًا للاقتصاد والمالية ضمن حكومة التناوب. هنا، انتقل من موقع التنظير والمساءلة إلى موقع القرار المباشر، في لحظة وُصفت بـ”الإنقاذية”، وسط تحذيرات من “سكتة قلبية” للاقتصاد المغربي.

قاد ولعلو هذا الورش المعقد بروح الأكاديمي وواقعية السياسي، وهو يواجه اختيارات صعبة، حيث اضطر إلى تبني خيارات اقتصادية سبق أن انتقدها حزبه في المعارضة، بما فيها سياسات الإصلاح الهيكلي والخوصصة الجزئية، مع الحرص على ضبط التوازن بين المبادئ السياسية ومتطلبات إدارة الاقتصاد الوطني.

استمر في منصبه حتى 2007، بعدما تم تجديد الثقة فيه من طرف الملك محمد السادس في بداية العهد الجديد، المرحلة التي تميّزت بإطلاق أوراش التنمية والتدرج في الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. وتعد الفترة التي أشرف فيها على وزارة الاقتصاد من أدق المراحل السياسية لم تدرس بالقدر الكافي.

بعد مغادرته الحكومة، لم ينكفئ ولعلو عن الشأن العام، بل عاد إلى مستوى آخر من التدبير، حين انتُخب سنة 2009 عمدةً للرباط، وهو المنصب الذي شغله حتى 2015، في امتداد لمسار يجمع بين الوطني والمحلي، وبين التفكير في السياسات العمومية وتنزيلها محليا.

ورغم المسؤوليات السياسية، ظل ولعلو وفيًا لهويته كأكاديمي ومفكر. نشر كتاباته ومؤلفاته في الاقتصاد السياسي وقضايا التنمية، باللغتين العربية والفرنسية، مع التركيز على قضايا العالم الثالث والنماذج الاقتصادية الوطنية.

وحين أراد أن يؤرخ لذاكرته، اختار صياغتها بصيغة “زمن مغربي”، حيث لا تُفهم حياة الفرد بمعزل عن سياقها الجماعي، ولا تُقرأ المسارات الشخصية خارج تحولات المجتمع والدولة، وهو ما منح مذكراته حيزا أوسع لتقديم قراءات سياسية لأحداث مهمة.

فتح الله ولعلو ليس مجرد وزير سابق أو نائب برلماني، بل هو أحد وجوه مرحلة انتقالية حاسمة، جسّدت عبور اليسار المغربي، في شخص الاتحاد الاشتراكي، من المعارضة إلى المشاركة في الحكم بعد نصف قرن من الصراع السياسي، وهو ما يجعل من تجربته السياسية مدخلا لفهم عدد من الأحداث السياسية المفصلية في تاريخ البلاد.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق