يصعب الحديث عن تاريخ الحياة السياسية المغربية في النصف الثاني من القرن العشرين دون التوقف عند اسم محمد بوستة، أحد أبرز رجال الدولة الذي جمع بين صرامة المحامي وثبات المناضلين وهدوء رجل التوازنات. فقد ظل لعقود طويلة أحد أعمدة السياسة المغربية، ووجها بارزا داخل حزب الاستقلال، حيث قاده لأكثر من ربع قرن وطبَع مساره بأسلوب خاص قائم على الحكمة والصمت المدروس.
لم يكن بوستة زعيما صاخبا ولا خطيبا شعبويا، بل رجل مؤسسات يعرف وزن الكلمة وخطورة المواقف وأهمية قول الحقيقة في اللحظات الحاسمة. ولذلك استحق لقب “الحكيم الصامت”، وهو لقب يلخص شخصية سياسية فضلت التأثير الهادئ على الضجيج والمزايدات.
تقدم حلقات “هزّوا عرش البرلمان” خلال شهر رمضان بورتريهات لشخصيات برلمانية وسياسية تركت بصمتها في تاريخ المؤسسة التشريعية بالمغرب، من خلال مواقف جريئة أو مبادرات مؤثرة أو أدوار بارزة في لحظات مفصلية من النقاش السياسي.
من مراكش إلى قيادة الحركة الوطنية
وُلد محمد بوستة سنة 1925 بمدينة مراكش، في مرحلة كانت فيها البلاد تحت نظام الحماية، فانخرط مبكرا في العمل الوطني إلى جانب الحركة الوطنية. تابع دراسته في القانون والفلسفة بجامعة السوربون قبل أن يعود إلى المغرب ليشتغل بالمحاماة، حيث أسس مكتبا أصبح مدرسة لتكوين عدد من المحامين والسياسيين.
ارتبط مساره السياسي بمسار الحركة الوطنية، إذ كان من الجيل الذي واكب الانتقال من مرحلة المقاومة السياسية إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة. وانضم إلى حزب الاستقلال منذ أربعينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح أحد أبرز قياداته.
في سنة 1974 تولى الأمانة العامة للحزب خلفا للزعيم التاريخي علال الفاسي، وظل في هذا المنصب إلى سنة 1998، وهي واحدة من أطول فترات القيادة الحزبية في المغرب.
رجل الدولة الهادئ
شغل بوستة عددا من المناصب الوزارية في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب، فكان وزيرا للعدل في بداية الستينيات، ثم وزيرا للخارجية بين 1977 و1983، إلى جانب مسؤوليات حكومية أخرى.
وخلال توليه حقيبة الخارجية، جاب عواصم العالم مدافعا عن القضايا الوطنية، وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، في فترة كانت الدبلوماسية المغربية تحتاج إلى وجوه سياسية ذات مصداقية ووزن، في وقت لم تضع الحرب أوزارها بعد جنوب البلاد.
كان بوستة يمثل نموذجا لرجل الدولة المحافظ، الذي يجمع بين الوفاء للمؤسسات والقدرة على التعبير عن المواقف المستقلة، دون أن يتحول إلى معارض جذري أو موظف سياسي صامت، محافظا بذلك على موقع سياسي جعله محط تقدير مختلف الفرقاء.
مواجهة الصمت في زمن الخوف
في سنوات الثمانينيات والتسعينيات، عندما بلغت قبضة وزارة الداخلية ذروتها في عهد الوزير القوي إدريس البصري، كان صوت المعارضة محدودا داخل المؤسسات. في تلك المرحلة وقف بوستة داخل البرلمان ليعلن موقفا صريحا ينتقد تدخل وزارة الداخلية في الحياة السياسية، في لحظة اعتبرت نادرة في زمن كانت فيه “الحيطان لها آذان”.
لم يكن صوته مرتفعا، لكن صدى موقفه كان قويا، إذ وجه انتقادات مباشرة لتعدد مهام البصري وتدخله في القطاعات المختلفة، ولتأثير الإدارة على نتائج الانتخابات، وهو ما جعله أحد أبرز وجوه المعارضة المؤسساتية في تلك المرحلة.
لم تكن تلك المناسبة المشهودة الوحيدة في مسار الرجل داخل المؤسسة التشريعية، إذ استمر طيلة سنوات في التعبير عن مواقف قوية تدعو لتحصين الخيار الديمقراطي وبناء مغرب المؤسسات والتعبير عن رفض التلاعب بإرادة الناخبين.
“لا” في وجه السلطة
بالرغم من المكانة التي كان يحظى بها ومهام رجل الدولة التي تقلدها، لم يتردد بوستة في إعلان مواقف رافضة لخيارات السلطة، ومن بينها رفضه طلب الملك الراحل الحسن الثاني المشاركة في حكومة التناوب الأولى، نظرا لالتزام حزبه بتحالف الكتلة الديمقراطية ورفضه وجود إدريس البصري في منصب وزير الداخلية، حيث كان القيادي الاستقلالي يعتبر أن الإصلاح السياسي الحقيقي يمر عبر ضمان نزاهة الحياة الانتخابية وتقليص تدخل الإدارة.
كانت مواقفه تعكس تصورا سياسيا يقوم على الإصلاح التدريجي بدل المواجهة المباشرة، وهو ما جعله رجل توازنات في مرحلة كانت البلاد تحتاج فيها إلى وسطاء سياسيين.
لم يكن بوستة سياسيا جماهيريا بالمعنى التقليدي، بل كان يتحدث بلغة المحامي الهادئة والمنطقية. معبرا عن المواقف السياسية بأسلوب رصين يبعدها عن كل توظيف سياسوي.
ورغم التزاماته السياسية، كان حضوره في المحاكمات السياسية خلال سنوات التوتر ثابتا، إذ يعكس إيمانه بأن دور السياسي ليس فقط الاحتجاج، بل المساهمة في تخفيف الاحتقان، ما جعله في مناسبات عديدة مترافعا جسورا عن حرية التعبير.
تأثير لم ينته مع التقاعد
قاد بوستة حزب الاستقلال لمدة ستة وعشرين عاما، وهي فترة شهدت تحولات عميقة في السياسة المغربية، من مرحلة الصراع السياسي إلى مرحلة التوافق. وعندما سلم قيادة الحزب سنة 1998، لم يغادر الحياة العامة، بل بقي مرجعية سياسية داخل الحزب وخارجه، إذ كان انتقال القيادة بالنسبة إليه جزءا من استمرارية المؤسسة، لا نهاية لمسار سياسي.
في عهد محمد السادس، عاد اسم بوستة إلى الواجهة عندما عُين رئيسا للجنة مراجعة مدونة الأحوال الشخصية، وهي مهمة كانت تتطلب شخصية تحظى بثقة مختلف الأطراف. إذ قاد بوستة لجنة الإصلاح في مرحلة كان الانقسام فيها حادا بين المحافظين والحداثيين، وانتهت أشغالها بإصدار مدونة الأسرة سنة 2004، في واحدة من أهم الإصلاحات القانونية بالمغرب. وقد أكد ذلك الدور مكانته كشخصية توافقية قادرة على إدارة الملفات الحساسة.
حتى في سنواته الأخيرة، ظل بوستة حاضرا في النقاش السياسي، سواء من خلال مواقفه داخل حزب الاستقلال أو عبر تدخله في لحظات الأزمة التنظيمية. لم يكن رجل مرحلة فقط، بل ظل مرجعا سياسيا يُستدعى اسمه كلما اشتدت الأزمات داخل الحزب. الأمر الذي دفعه إلى تقدم لائحة المطالبين باستقالة حميد شباط من قيادة “الميزان” بعد المآل الذي سار إليه الحزب على عهده.
سيرة رجل.. وسيرة وطن
رحل محمد بوستة سنة 2017 بعد مسار سياسي امتد لأكثر من نصف قرن، لكنه ترك وراءه نموذجا خاصا في العمل السياسي. لم يكن الرجل سياسيا صاخبا ولم يكن ثوريا ولا خطيبا مزايدا على بلاده، بل رجل كان رجل دولة هادئا وإصلاحيا مترافعا من داخل المؤسسات.
وعلى الرغم من موقعه السياسي الذي وضعه في مناسبات في مواجهة السلطة، أدى الرجل أمانته في الدفاع عن مصالح البلاد خلال تقلده مناصب حكومية، دون أن يؤثر موقع على الآخر لدى الرجل الذي أجاد التمييز بين المقامات والسياقات.
هكذا ظل محمد بوستة واحدا من السياسيين الذين تتقاطع سيرتهم مع سيرة المغرب نفسه: من زمن الحماية إلى زمن الإصلاحات، ومن مرحلة الصراع إلى مرحلة التوافق. ورحل الرجل تاركا خلفه مسارا سياسيا كبيرا يستحق أن يكون درسا لما ينبغي أن يكون عليه السياسي في كل زمان.
