هزّوا عرش البرلمان(2)/ بنسعيد أيت إيدر.. فاضح تازممارت ورمز ثبات المواقف

adminمنذ ساعتينآخر تحديث :
هزّوا عرش البرلمان(2)/ بنسعيد أيت إيدر.. فاضح تازممارت ورمز ثبات المواقف


في زمن كانت فيه أسماء المعتقلات السرية تُذكر همساً، تجرأ نائب برلماني وحيد على المجاهرة بمطالب إنهاء الاعتقال السياسي من داخل مجلس النواب. كان ذلك محمد بنسعيد أيت إيدر، الذي التصق به لقب “فاضح تازممارت”، بعدما استجاب لدعوات عائلات معتقلين بالترافع عن ملفهم.

تُقدم حلقات “هزّوا عرش البرلمان” خلال شهر رمضان بورتريهات لشخصيات برلمانية وسياسية تركت بصمتها في تاريخ المؤسسة التشريعية بالمغرب، من خلال مواقف جريئة أو مبادرات مؤثرة أو أدوار بارزة في لحظات مفصلية من النقاش السياسي.

التحدي داخل البرلمان

بعد عودته إلى المغرب، إثر سنوات من المنفى، لم يستجب بنسعيد الذي اختار العمل السياسي العلني هذه المرة، لوصايا رفاقه بعدم الانخراط في الانتخابات لكي لا يسيء لسمعته واسمه الذي ارتبط بجيش التحرير والمعارضة الجذرية، ليختار الانخراط بالحياة السياسية، مطمئناً إلى نزاهته وإلى ثبات قناعاته، كما يحكي في مذكراته.

الرجل القادم من سوس كان واضحاً في أن دخوله البرلمان ليس لأجل النزهة أو المكاسب الشخصية، بل من أجل إيصال صوت من لا صوت لهم، وتقديم نموذج آخر لممارسة السياسة داخل المؤسسات، وهو ما ترجمه في مداخلاته القصيرة بعدما نجح في الانتخابات وحيدا عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، إثر ما يعتبره تدخلا لوزارة الداخلية في حرمان رفاقه من مقاعد برلمانية مشروعة.

إثر رجوعه إلى المغرب سنة 1981، وبعد قراره الانخراط بالحياة السياسيو، رفض بن سعيد الترشح في مدينة الدار البيضاء، مفضلاً العودة إلى بلدته اشتوكة أيت باها، التي منحته الثقة ليظل في البرلمان 23 سنة بعد نجاحه في الانتخابات أربع مرات عن نفس الدائرة.

خلال هذه السنوات، اكتشف أيت إيدر أن الممارسة البرلمانية لم تتطور، بل شهدت تراجعاً كبيراً، خاصة عندما تحولت المعارضة إلى الحكم، في تجربة التناوب، إذ بدأت بعض الأحزاب التي كانت تنتقد السياسات السابقة في اتباعها، فيما لجأت “أحزاب الإدارة” إلى لعب دور المعارضة بدون رؤية أو قناعة.

الإيمان بالعمل المؤسساتي

بعد تجربته ضمن حركة “23 مارس” الماركسية اللينينة التي كان أحد أعضائها البارزين، اختار بنسعيد العمل العلني ليؤسس إلى جانب رفاقه منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي انتخب أميناً عاماً لها سنة 1983، ليخوض تحت رعايتها معارك سياسية مهمة مغتنما حضوره داخل المؤسسة البرلمانية.

منحه تركيزه على معارضة النظام السياسي، مساحة أوسع لنسج علاقات سياسية محترمة مع مختلف الفرقاء السياسيين، حتى داخل أحزاب الإدارة، ما منحه تقديرا واسعا داخل الأوساط السياسية. يصف في مذطراته فترة رئاسة أحمد عصمان للبرلمان بأنها من أزهى الفترات السياسية، حيث كان الوضوح في المواقف والمواقع يمنح جرعة قوية للحياة السياسية بالمغرب، قبل أن تختلط الأوراق فيما بعد.

مكانته السياسية جعلته حاضرا في تحالف ما يعرف بالكتلة الديمقراطية التي كانت لها مواقف مهمة تجاه الحياة السياسية المغربية، والتي لعبت دوراً في الدفع بعجلة الإصلاحات خلال أواخر حكم الحسن الثاني.

ورغم موقعه في المعارضة، ظل أيت إيدر مؤمناً بمغربية الصحراء، وشارك في مهام خارج المغرب، مترافعاً عن الوحدة الترابية، حتى في الجزائر، حيث ساهم في إحراج ممثليها وفضح مراميهم بالحجج التاريخية. مؤكداً بذلك أن المصلحة الوطنية يجب أن تبقى فوق أي خلاف سياسي، وهو ما جعله يحضر ضمن بعثات رسمية إلى الخارج، بينها حضوره إلى منظمة الوحدة الإفريقية خلال آخر مشاركة للمغرب قبل الانسحاب احتجاجا على تمثيل جبهة “البوليساريو” الانفصالية.

كان أيت إيدر مؤمنا بوحدة اليسار المغربي، عاملا بدون كلل على تنزيلها ميدانيا. وحتى عندما رحلت قيادات من حزبه سنة 1997، سيعمل من جديد على مواصلة جهود توحيد تيارات اليسار، ليؤسس سنة 2002 حزب الاشتراكي الموحد، ويصبح رئيسه الشرفي.

رفض تقبيل يد الملك

لم تكن علاقته بالسلطة سهلة. رفض أيت إيدر تقبيل يد الملك الحسن الثاني، وهو الموقف الذي أدى إلى توتر مباشر مع الملك ووزير الداخلية إدريس البصري. مسألة تقبيل يد الملك بالنسبة لبنسعيد ليست مجرد بروتوكول رسمي، بل مسألة كرامة شخصية وموقف سياسي صريح.

يروي أيت إيدر عن أول لقاء له مع الحسن الثاني بعد ربع قرن من الغياب: “كان الآخرون يتقدمون ويسلمون بالانحناء على يده وتقبيلها، وجاء دوري فاكتفيت فقط بوضع يدي على كتفه… وما إن هممت بالانصراف حتى استوقفني الملك وسألني بنبرة ذات مغزى: ‘شكون أنت؟’ فكان أن أجبت: ‘بنسعيد’. وانصرفت”.

حذره البصري في مناسبات أخرى بأن عليه تقبيل اليد مثل الآخرين، لكنه لم يغير موقفه: “أنا ماشي شايط باش نبوس ليدين، ولا أملك سوى كرامتي”، مخاطبا وزير الداخلية أن “أقبل يد الملك أو لا، فهذا أمر يخصني لوحدي ولا يهم أي شخص آخر”.

في مناسبة أخرى، كرر بنسعيد نفس طريقة السلام على الملك، الذي استوقفه قائلاً: “راه المخزن عندو تقاليد خصك تحترمها!”، غير أنه لم يجبه وذهب لحال سبيله. يؤكد أيت إيدر في مذكراته أن رفضه لتقبيل اليد كان مبدأً ثابتاً لا يتعلق بالملك شخصياً: “المسألة بالنسبة لي مسألة كرامة أولاً وأخيراً. تقبيل اليد هو تكريس ملموس للانهزام والخضوع، وهذا ما لم ولن أرضاه لنفسي”.

خلال العهد الجديد، خفت علاقة التوتر، حيث تم توشيح بنسعيد من طرف الملك محمد السادس، الذي بعث إثر وفاته برقية عزاء إلى أسرته يشيد فيها بـ”المسار النضالي والحقوقي والسياسي الحافل والمتميز للراحل المبرور، المشهود له بدماثة الخلق وبالخصال الإنسانية الرفيعة، حيث ظل، رحمه الله، مثالا للوطنية الملتزمة والوفاء للمبادئ”.

الجذور والمسار المقاوم

ولد أيت إيدر سنة 1925 في قرية تينمنصور باشتوكة أيت باها، يتيم الأم، في أسرة متوسطة تمتهن الفلاحة والتجارة. بدأ حفظ القرآن منذ سن الرابعة، وأكمل تعليمه الابتدائي قبل الانتقال إلى مدرسة ابن يوسف بمراكش، حيث انفتح على العمل الوطني، والتقى بمناضلين كبار مثل عبد الله إبراهيم والمهدي بن بركة، ما كان له أثر بالغ في مساره السياسي لاحقاً.

انخرط أيت إيدر في المقاومة المسلحة، مشاركاً في تنظيم خلايا جيش التحرير المغربي في الجنوب، ورفض وضع السلاح قبل استكمال مسيرة الاستقلال. تعرض للاعتقال أثناء الاستعمار، ثم بعد الاستقلال بسبب موقفه المعارض لنظام الحسن الثاني، وتعرض للحكم غيابياً بالإعدام. هاجر إلى الجزائر، ثم فرنسا، حيث واصل نشاطه السياسي، وحصل على إجازة في التاريخ والجغرافيا باسم مستعار، مع استمرار ارتباطه بالقضايا الوطنية من بعيد.

عرف بلقب “معارض الملوك الثلاثة”، إذ ظل متمسكاً بمواقفه المعارضة طوال ثلاثة عهود ملكية، محافظاً على استقلاليته. ظل أيت إيدر صوتاً للمعارضين والمهمشين، محافظاً على مبادئه حتى في الأوقات التي بدا فيها العمل المؤسساتي مكلفاً أو محفوفاً بالمخاطر.

توفي محمد بنسعيد أيت إيدر في فبراير 2024 عن عمر ناهز 98 عاماً، بعد مسار طويل امتد لأكثر من ستة عقود، بين المقاومة المسلحة، المنفى، والخطاب البرلماني. ترك إرثاً سياسياً زاوج بين العمل السري والعلني، ليرسخ بذلك اسمه كشخصية ثابتة في الذاكرة الوطنية، كرجل لم يساوم على المبدأ، مؤمناً دائماً بأن الحرية لا تتجزأ وأن الوطن أكبر من أي خلاف سياسي.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق