المغرب نيوز

هل تشهد انتخابات 2026 تحالفا بين “التقدم والاشتراكية” و”الاشتراكي الموحد” و”فدرالية اليسار”؟.. قيادة الأحزاب الثلاثة تُؤكد لـ”الصحيفة” تواصل النقاشات رغم تباين التصورات

هل تشهد انتخابات 2026 تحالفا بين “التقدم والاشتراكية” و”الاشتراكي الموحد” و”فدرالية اليسار”؟.. قيادة الأحزاب الثلاثة تُؤكد لـ”الصحيفة” تواصل النقاشات رغم تباين التصورات


مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، يعود النقاش داخل الأوساط السياسية حول إمكانية دخول بعض الأحزاب، خصوصا ذات المرجعية اليسارية، في تحالفات وتكتلات انتخابية قد تسمح لها بتعزيز حضورها داخل المؤسسة التشريعية، حيث يبرز في هذا السياق حديث متجدد عن إمكانية تشكيل كتلة انتخابية تجمع ثلاثة أحزاب هي حزب التقدم والاشتراكية، والحزب الاشتراكي الموحد، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، في محاولة لتجميع الجهود وتقديم عرض سياسي مشترك قد يمهد لتشكيل كتلة برلمانية يسارية أكثر حضورا وتأثيرا.

هذا المسار، الذي يطرح نفسه في سياق التحضير المبكر للاستحقاقات المقبلة، يظل محكوما بعدد من النقاشات المرتبطة بطبيعة التحالف الممكن وحدوده السياسية، فداخل مكونات اليسار المعنية بالمبادرة، يبرز اختلاف في تقدير الأولويات المرحلية، بين من يرى أن التنسيق الانتخابي يمكن أن يشكل مدخلا لتقوية الحضور داخل المؤسسات، ومن يعتبر أن أي تحالف ينبغي أن يقوم على أرضية سياسية واضحة تمتد لما بعد الانتخابات.

في هذا الإطار، يُطرح النقاش أيضا مسألة الموقع السياسي للتحالف المحتمل، خصوصا في ما يتعلق بالمشاركة في الحكومة أو التموقع في المعارضة ، حيث أن الحزب الاشتراكي الموحد، الذي يعد أحد الأطراف المعنية بأي صيغة محتملة للتنسيق، يربط مسألة المشاركة الحكومية بوجود شروط سياسية يعتبرها ضرورية، من بينها ما يصفه بتوفر فعل ديمقراطي حقيقي يسبق التفكير في الانخراط في التجربة الحكومية، وهو طرح يثير بدوره نقاشا داخل باقي المكونات التي ترى أن العمل من داخل المؤسسات قد يشكل بدوره وسيلة للتأثير حتى في ظل توازنات سياسية معقدة.

ضمن هذا السياق العام، تعود الدعوة إلى توحيد قوى اليسار إلى الواجهة من داخل حزب التقدم والاشتراكية، الذي يرى في هذا الخيار امتدادا لمسار سياسي ارتبط بتاريخ الحزب نفسه، حيث يستحضر الأمين العام للحزب، نبيل بنعبد الله، في تصريح خاص لـ”الصحيفة” هذا البعد التاريخي وهو يتحدث عن أن مسألة وحدة اليسار ظلت لصيقة بالحزب منذ ظهور مكونات أخرى لليسار في المغرب خلال ستينيات القرن الماضي، مذكرا بأن التيار اليساري الوحيد في البلاد منذ أربعينيات القرن الماضي إلى حدود تلك المرحلة كان يتمثل في الحزب الشيوعي المغربي.

ومن هذا المُنطلق، يربط بنعبد الله المبادرات الحالية بمحاولات سابقة للدفع في اتجاه التقارب بين مكونات اليسار، مشيرا إلى أن الدعوة إلى الوحدة كانت في مراحل سابقة موجهة إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، قبل أن تتجه لاحقا إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

غير أن النقاش حول توحيد الصفوف، يردف بنعبد الله في تصريحه للصحيفة، “يكتسب راهنيته اليوم في ضوء ما يشهده المشهد السياسي الوطني، حيث يرى أن المرحلة الحالية تتسم بما يصفه بفشل التجربة الحكومية القائمة، إلى جانب ما يعتبره انحرافات تمس المسار الديمقراطي وتطرح تحديات في عدد من المجالات الاجتماعية والاقتصادية”.

وانطلاقا من هذا التقييم، يطرح حزب التقدم والاشتراكية فكرة العمل على بلورة بديل ديمقراطي تقدمي، يقول بنعبد الله إن الحزب بصدد صياغته على أساس أن يتحول إلى برنامج حكومي محتمل، مع إمكانية الاستفادة من آراء باقي مكونات اليسار في حال انخراطها في مقاربة موحدة، لافتا إلى أن هذا البديل يمكن أن يشكل أرضية لتعبئة فئات واسعة من المجتمع، خصوصا الشباب الذين يشهد سلوكهم السياسي، بحسبه، تراجعا في الإقبال على المشاركة، وهو ما يراه مؤشرا مقلقا بالنسبة لمسار البناء الديمقراطي.

وأشار بنعبد الله إلى أن مسار البحث عن أرضية مشتركة بين مكونات اليسار لم يكن خاليا من التعثر. ففي إطار المحاولات السابقة للتقارب، بدأ الحزب قبل نحو سنتين مشاورات مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث عقد لقاءين على مستوى الأمانتين العامتين جرى خلالهما الاتفاق على صياغة وثيقة سياسية عامة تقدم ما سُمي بالبديل الديمقراطي التقدمي، لكن هذا المسار توقف، بحسب روايته، بعدما لم يجر تقديم الوثيقة بشكل مشترك، وهو ما دفع حزب التقدم والاشتراكية إلى اعتبار تلك المرحلة “صفحة قد طويت”.

بعد ذلك، اتجهت المبادرة نحو مكونين آخرين من اليسار، هما فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، إذ جرى عقد لقاء خلال شهر أكتوبر الماضي طُرح خلاله تصور يقوم على بناء مسار تدريجي للعمل المشترك، لا يقتصر على الانتخابات المقبلة فقط بل يتجاوزها إلى آفاق أوسع من التنسيق السياسي.

ويشمل هذا التصور، وفق ما يطرحه حزب التقدم والاشتراكية، إمكانية التوافق على تقديم مرشح مشترك في بعض الدوائر وصياغة وثيقة سياسية متكاملة تسمح بخوض الانتخابات بشكل موحد، مع احتمال الاكتفاء في حال تعذر ذلك بوثيقة مبادئ عامة وتحديد عدد من الدوائر التي يمكن أن يتم فيها الترشح بشكل مشترك.

إلى حدود الآن، ما تزال هذه المبادرة في مرحلة الانتظار، إذ يشير بنعبد الله إلى أن الحزب لم يتوصل بعد برد نهائي من الفصيلين المعنيين، رغم بعض التفاعلات التي ظهرت عبر وسائل الإعلام، حيث دعا الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية إلى عقد لقاء مباشر يجمع مختلف الأطراف حول طاولة واحدة لمناقشة مختلف القضايا المطروحة، مؤكدا تمسك حزبه بفكرة وحدة اليسار وضرورة توحيد الصفوف.

النقاش داخل الأحزاب الأخرى المعنية يطرح بدوره تساؤلات تتعلق بطبيعة هذا التحالف وحدوده الزمنية والسياسية، ففي الحزب الاشتراكي الموحد، يتم النظر إلى الانتخابات باعتبارها إحدى الآليات الممكنة لتحقيق الانتقال الديمقراطي، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن يكون أي مشروع انتخابي قائما على رؤية سياسية واضحة.

وفي هذا الإطار، يرى الأمين العام للحزب، جمال العسري، في تصريحه للصحيفة، أن الطموح يتمثل في تقديم مشروع يساري موحد للناخبين والناخبات قادر على منافسة تأثير المال والسلطة داخل الحقل الانتخابي، وهو الطموح الذي يطرح بدوره سؤال طبيعة التحالف المرتقب.

فالعسري يلفت إلى أن أقرب الأحزاب إلى الحزب الاشتراكي الموحد من حيث الطموح السياسي هما حزب التقدم والاشتراكية وفيدرالية اليسار الديمقراطي، لكنه يتساءل في المقابل عما إذا كان المطلوب هو مجرد تحالف انتخابي ينتهي بمجرد إعلان النتائج، أم تحالف سياسي حقيقي يمتد طوال الولاية البرلمانية. 

بالنسبة لرفاق العسري، إذا جرى التقدم إلى الناخبين ببرنامج انتخابي ومرشح موحد يمثل الأحزاب الثلاثة، فإن هذا الخيار يطرح بالضرورة مسألة الاستمرار في التنسيق بعد الانتخابات، لأن المرشح سيكون قد مثل جميع مكونات الكتلة.

وفي هذا السياق، يبرز أيضا موقف الحزب الاشتراكي الموحد من مسألة المشاركة الحكومية، حيث يشير العسري إلى أن الحزب لا يرى نفسه داخل حكومة تضم أطرافا متباينة في توجهاتها، وهو ما يعكس تحفّظا على تجربة الحكومات التي تقوم على تحالفات واسعة تجمع أحزابا مختلفة التوجهات، مضيفا أن النقاش حول هذه القضايا ما يزال مفتوحا، وأن لقاءات ثنائية جرت بالفعل بين بعض الأطراف، في انتظار عقد لقاء ثلاثي قد يساهم في توضيح الرؤية بشكل أكبر، مع تأكيده أن أي اتفاق نهائي لم يتم التوصل إليه حتى الآن.

من جهتها، تؤكد فيدرالية اليسار الديمقراطي أن مسألة توحيد قوى اليسار تظل بالنسبة لها خيارا سياسيا مبدئيا وليس مجرد تكتيك انتخابي مرتبط بموعد الاستحقاقات، وفي هذا السياق، تشير القيادية في الفيدرالية، النائبة البرلمانية فاطمة التامني، إلى أن الحديث عن كتلة يسارية مشتركة ينبغي أن يرتبط ببناء قطب يساري حقيقي يقوم على برنامج اجتماعي ديمقراطي منسجم، يحدد بوضوح موقعه من السياسات العمومية ومن طبيعة الاصطفاف السياسي قبل الانتخابات وبعدها.

وترى التامني التي تحدثت إلى “الصحيفة” أن أي تنسيق انتخابي ينبغي أن يقوم على وضوح الرؤية والالتزامات المتبادلة بين الأطراف المعنية، وليس فقط على ترتيبات تقنية مرتبطة بالاقتراع، ولذلك، تؤكد أنه إلى حدود اللحظة لا يوجد اتفاق نهائي أو صيغة محسومة بخصوص هذا التحالف، مشددة على أن أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى نقاش سياسي عميق ومسؤول يجيب عن أسئلة أساسية تتعلق بطبيعة المشروع المشترك والموقع السياسي للتحالف، إضافة إلى كيفية ضمان استمراريته بعد الانتخابات.

وفي ما يتعلق بالاستحقاقات المقبلة، تعتبر فيدرالية اليسار الديمقراطي أن انتخابات 2026 يمكن أن تشكل محطة لإعادة بناء الثقة في العمل السياسي، من خلال تقديم بديل يساري ديمقراطي واضح ينحاز لقضايا العدالة الاجتماعية والكرامة ومحاربة الفساد وتعزيز دولة القانون. 

وتؤكد التامني في المقابل أن الأهم بالنسبة للفيدرالية ليس فقط شكل التحالف، بل مضمون المشروع الذي سيُقدَّم للمغاربة ومدى قدرته على إقناعهم بجدواه ومصداقيته، مع التأكيد على أن الباب يظل مفتوحا أمام أي مبادرة جادة ومسؤولة لبناء وحدة يسارية حقيقية قائمة على الوضوح والاستمرارية والالتزام السياسي.

وبين هذه المواقف المختلفة، يتضح أن فكرة دخول انتخابات 2026 بكتلة يسارية تضم الأحزاب الثلاثة ما تزال مطروحة على طاولة النقاش، لكنها تبقى رهينة بمدى قدرة هذه المكونات على تجاوز الخلافات المرتبطة بطبيعة التحالف وحدوده السياسية، فبين خيار التنسيق الانتخابي المحدود، أو بناء تحالف سياسي ممتد لما بعد الانتخابات، تتشكل ملامح النقاش الدائر داخل اليسار حول الصيغة التي قد تسمح له باستعادة حضور أقوى داخل المؤسسة التشريعية.



Source link

Exit mobile version