المغرب نيوز

هل تُسقِط المحكمة الدستورية قانون المجلس الوطني للصحافة الجديد؟

هل تُسقِط المحكمة الدستورية قانون المجلس الوطني للصحافة الجديد؟


رغم انتهاء المسطرة التشريعية حول القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، إلا أن الجدل استمر حول دستورية عدد من القوانين التي تضمنها، مما دفع نواب المعارضة إلى إحالته على المحكمة الدستورية لفحص مطابقة أحكامه لمقتضيات الدستور المغربي، ما جعل الكثيرين يعتبرون هذه المرحلة بمثابة جدار الصد الأخير بوجه القانون.

مشروع القانون جاء من أجل إخراج التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة من حالة الركود إثر انتهاء ولاية المجلس الوطني للصحافة في 2022، قبل تمديدها لستة أشهر، وصولا إلى نقل صلاحياته إلى لجنة مؤقتة حتى أكتوبر 2025، مما خلق فراغاً قانونياً بعد انتهاء صلاحياتها هي الأخرى، غير أن المشروع واجه جدلاً واسعاً بين المهنيين والحقوقيين بسبب مخاوف حول عدد من مقتضياته.

وبعد أشهر في أروقة البرلمان، مرّ مشروع القانون بمخاض تشريعي عسير، قبل أن يتمكن وزير الشباب والثقافة والرياضة، مهدي بنسعيد، من تمريره بالأغلبية. وكان التداول بشأن المشروع أول مرة قد تم في المجلس الحكومي المنعقد يوم 03 يوليوز 2025، قبل إحالته على مكتب مجلس النواب بتاريخ 07 يوليوز 2025، والمصادقة عليه في الجلسة العامة التشريعية بالأغلبية بتاريخ 22 يوليوز 2025.

وأحيل على مكتب مجلس المستشارين بتاريخ 23 يوليوز 2025، وصودق عليه في الجلسة العامة، بعد عدد من التأجيلات ووسط انسحاب مكونات المعارضة، وفق الصيغة التي وردت عليه من مجلس النواب، يوم 24 دجنبر 2025 دون إدخال أي تعديل، تفاديا لإعادته إلى الغرفة الأولى.

انتهاء المسطرة التشريعية بالمصادقة على القانون لم يكن نهاية فصول هذا المخاض، إذ تمكنت مكونات المعارضة بمجلس النواب من جمع التوقيعات الكافية لإحالة القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على أنظار المحكمة الدستورية، من أجل البت في مدى مطابقته للأحكام والمبادئ والحقوق التي يكرسها الدستور.

وتترقب اليوم عدد من الأطراف السياسية والنقابية والحقوقية القرار الذي سيصدر عن المحكمة الدستورية، إما بتأييد مقتضيات القانون أو إبداء ملاحظات على مواده، وبالتالي إعادته إلى مسطرة التشريع من جديد.

وبينما تراهن أطراف نقابية وسياسية على المحكمة الدستورية لإسقاط القانون المذكور، تأمل الحكومة والوزارة الوصية على القطاع أن تجيز المحكمة هذا القانون لحسم الجدل والخروج من حالة الركود التي يعيشها اليوم بسبب وجود هياكله خارج الشرعية القانونية.

في هذا السياق، قال عبد الكبير أخشيشن، رئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية، إن النقابة اعترضت منذ البداية على مجموعة من المقتضيات الواردة في المشروع، معتبرة أنها غير دستورية، مضيفا أن”الترافع الذي قمنا به منذ البداية، سواء داخل مجلس النواب، أو لدى مجلس المستشارين، أو أمام الهيئات الدستورية، كان فيه إلحاح على هذه النقاط. والدليل على ذلك هو التفاعل الذي أبداه كل من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، من خلال الملاحظات التي تضمنتها تقاريرهما”.

وأفاد أنه “بالرجوع إلى هذه الملاحظات، نجد نفس المبررات التي تجعلنا نعتبر أن المحكمة الدستورية تمثل آخر جدار لمواجهة هذا المشروع”، مشددا على أن “المرجع والمقتضيات التي استندنا إليها تتعلق بخرق مجموعة من القواعد الدستورية، وعلى رأسها مبدأ الاستقلالية المفروض في التنظيم الذاتي للمهنة، وهو مبدأ تم خرقه في عدة مقتضيات، بينها العدد غير المتكافئ للأطراف المكوِّنة لهذا التنظيم”.

ولخص أخشيشن تحفظات النقابة في أربع نقاط أساسية: “مبدأ المقاربة التشاركية، ومبدأ التوازن في التشكيلة، واختلاف أنماط الاقتراع، ومبدأ الاستقلالية والتنظيم الذاتي، إضافة إلى مقتضيات أخرى مرتبطة بمجال الأخلاقيات، وبكيفية ضمان هذا المشروع للحريات دون المساس بها، لأن هناك مقتضيات تقود بشكل مباشر إلى خنق الحريات، وهو أمر غير مقبول دستوريًا”.

وبخصوص آمال النقابة حول قرار المحكمة الدستوية، اعتبر أخشيشن أنه “عندما تلجأ إلى المؤسسات، فإنك تحترم مؤسسات بلدك، وتسلك المساطر القانونية المتاحة. ونحن على يقين بأن المحكمة الدستورية لن تسمح بتمرير هذه المجزرة التي جاء بها المشروع بصيغته الحالية. وثقتنا كبيرة جدًا فيها لتنظر بجدية في هذا الطعن المتعلق بعدم دستورية مجموع المقتضيات التي يتضمنها المشروع”.

ويرى أخشيشن أنه من النقاط التي تجعل النقابة تعتبر أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية أمر ضروري “غياب المقاربة التشاركية في إعداد هذا المشروع”، مفيدا أن هذه النقطة تضع هذا المشروع في وضعية لا دستورية”.

ويستدل أخشيشن على كلامه بالقول إن الدستور المغربي يقوم على المقاربة التشاركية في إعداد السياسات العمومية، باعتبارها مكونًا من مكونات دولة والقانون. ويمكن الرجوع، على سبيل المثال، إلى الفصل الأول من الدستور، الذي لا يكتفي بتكريس الديمقراطية التمثيلية، بل يقر صراحة بالديمقراطية التشاركية كخيار دستوري”.

وأضاف أن “معنى ذلك هو إشراك الفاعلين المعنيين في إعداد أي نص تشريعي، وهو ما لم يتم”، مبرزا أن “الوزير حاول الخروج من هذا الشرنق بالقول إن التشاور تم عبر اللجنة المؤقتة المكلفة بتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، وهذا أمر غير مقبول، باعتبار أن الجهة المكلفة بالتشريع هي الحكومة، وليس اللجنة المؤقتة. وإذا عدنا إلى المرسوم الذي أحدث اللجنة المؤقتة، فلن نجد ضمن اختصاصاتها هذه المهمة”.

وأوضح أخشيشن “بل أكثر من ذلك، فقد عقدت النقابة الوطنية للصحافة ونقابة الاتحاد المغربي للشغل، اجتماعًا مع الوزير وسألناه في 2024 عن المهمة الموكولة إلى اللجنة المؤقتة: هل هي التشريع أم التشخيص؟ فأجاب بوضوح بأنها تقوم بعملية التشخيص، وأنه عندما سيتم الشروع في بناء التشريع سيتم استدعاؤنا للتشاور، وهو ما لم يتم”.

وأضاف أن “الشاهد على ذلك هو اصطفاف جميع الجهات التي ادّعت اللجنة المؤقتة أنها تشاورت معها ضد هذا القانون، باستثناء مكوّن واحد فقط. وبالتالي، لا يمكن الادعاء بوجود توافق أو مشاركة حقيقية”، موضحا أن هناك سوابق دستورية في هذا الاتجاه، حيث سبق للمحكمة الدستورية أن أقرت بوجود خرق في الطريقة التي تم بها إعداد مشاريع قوانين مشابهة.

على صعيد آخر، أوضح أخشيشن أن “القانون لا يتوفر على ديباجة تشريعية. ولم يسبق لنا أن اطّلعنا على مشروع قانون يأتي مباشرة ليعرّف الناشرين مرتين ويعرّف بالمجلس الوطني للصحافة، دون أن يتطرق إلى الهيئات المهنية باعتبارها طرفا أساسيًا ضمن النص”.

وأردف أن الديباجة في القوانين المرتبطة بالحريات تُعدّ أساسية، لأننا أمام قانون يمس أحد العناصر التي تعتبر المحكمة الدستورية بأنه من المجالات التي لا يُسمح فيها بأي خرق، نظرًا لارتباطها المباشر بالحقوق والحريات.

ومن جهة أخرى، أشار إلى “غياب تحديد الطبيعة القانونية للمجلس. فعند قراءة المشروع لا نفهم هل يتعلق الأمر بهيئة للضبط الذاتي، أم هيئة للتقنين، أم هيئة للتحكيم. ولا يتضح ما هي الوظيفة الحقيقية لهذا المجلس”.

وواصل رئيس النقابة الوطنية للصحافة أن الدفع الآخر مرتبط بالإخلال بمبدأ التنظيم الذاتي واستقلالية المجلس، مفيدا أن الدستور المغربي يكرّس مبدأ التنظيم الذاتي المهني، ويربطه بحماية الحقوق والحريات، ويتجلى ذلك في الفصل 12 من الدستور، الذي ينص صراحة على مساهمة الهيئات المهنية، في إطار الاستقلالية والمسؤولية، في تأطير وتنظيم المهن والدفاع عن الحقوق”.

واستحضر ما اعتبره تغييبا للهيئات النقابية وحرمانها من الاقتراع باللائحة، وما يترتب عن ذلك من آثار على دستورية النص، مفيدا أنه “عند الرجوع إلى هذا المقترح، نجد أنه يخرق مبدأ التوازن، ويُحدث نمطين مختلفين من الاقتراع، بما يعني وجود نوع من التمييز بين مكونات المجلس، وهو أمر غير مقبول، لأن الدستور المغربي يعتبر الحريات النقابية إحدى الدعائم الأساسية للتنظيم الذاتي المهني، ويمكن الرجوع إلى الفصل الثامن من الدستور الذي يضمن حرية تأسيس النقابات وأدوارها”.

وكانت الرسالة الموجهة من مكونات المعارضة بمجلس النواب إلى المحكمة الدستورية قد أثارت جملة من الملاحظات بينها أن “الحكومة قدمت نصا تشريعيا جديدا لتنظيم المجلس الوطني للصحافة، عكس ما تضمنه عنوان القانون رقم 026.25 الذي تضمن هيكلة جديدة للمجلس، وليس إعادة هيكلة المجلس الحالي”.

وأشارت المعارضة إلى أن القانون “تخلى عن تعزيز دور المجلس في التنظيم الذاتي للمهنة والرقي بأخلاقياتها، عكس ما كان منصوص عليه في القانون رقم 90.13 يقضي بإحداث المجلس الوطني لصحافة”، مشيرة إلى خرق القانون “لمبدأ التنظيم الذاتي، ولمبادئ الديمقراطية الداخلية للهيئات ولمبدأ المساواة في المواد 45 و44 و45”.

وأردفت أن القانون اعتمد على “معيار رقم المعاملات وعدد المستخدمين لانتداب ممثلي الناشرين، مما يمنح قوة تمثيلية مفرطة للمنابر الكبرى على حساب المقاولات الإعلامية الصغرى والمتوسطة”، معتبرة أن هذا المعيار “لا يعكس الإرادة العامة لكافة المهنيين، بل يعكس القيمة السوقية، مما يُحوّل المجلس من تنظيم ذاتي إلى “بنية أقرب إلى التعيين”.

وأوضحت المعارضة أن القانون المذكور “يؤسس لتمييز غير قائم على سبب دستوري مشروع بين مقاولات صغرى وكبرى، وبين الصحفيين داخل المهنة الواحدة، مما يخرق مبدأ المساواة أمام القانون، ويُفقد التنظيم الذاتي استقلاليته المنصوص عليها في الفصل 28، ويجعله خاضعا لنفوذ اقتصادي”.

وأشارت إلى الإخلال بمبدأ ثنائية التجريم والعقاب، “حيث تضمنت المادة 9 حصر غير مبرر للجرائم التأديبية في فئة محددة من الجرائم دون أخرى كالتعذيب الاختطاف، والاتجار في البشر، متجاهلة بذلك مبدأ التناسب بين خطورة الفعل والأثر القانوني المترتب عنه”، مشددة على أن هذا “الحصر الانتقائي والتعسفي للجرائم يمثل عيباً دستورياً، ويؤدي إلى خرق مبدأ المساواة (الفصل 6) والإخلال بمبدأ الشرعية والتناسب والضرورة”.

وذكرت المعارضة بـ”التداخل غير الدستوري بين السلط المادة (55) من خلال إسناد هذه المادة مهمة دراسة مشاريع القوانين التي تهم القطاع، إلى المجلس، مما يؤسس لتداخل غير دستوري بين السلطة التشريعية والهيئة الاستشارية، ويُخل بمبدأ الفصل بين السلطات، وبعد مخالفة لأحكام الدستور بنقل اختصاص تنظيمي وتشريعي للدولة إلى هيئة مهنية مستقلة”.

وسجلت المعارضة “المساس بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع (المادتان 10 و 93)، حيث تم حصر حق الاطلاع على وثائق ملف العزل في العضو المعني، دون دفاعه، مما يشكل خرقاً لمبادئ العدالة الدستورية ويمس بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع (الفصلان 118 و120 من الدستور). وأيضا التنصيص على اعتماد رئيس لجنة الأخلاقيات ضمن أعضاء لجنة الاستئناف التأديبية، وهو ما يخل بمبدأ الحياد والاستقلال، ويُفقد هيئة الاستئناف حيادها المفترض”.

واعتبرت المعارضة أن “كل هذه الأخطاء تمس جوهر القاعدة القانونية، وتخل بمبدأ الأمن القانوني، وتجعل القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة غامضا ومتناقضا مما يجعل من المستحيل تطبيقه تطبيقا سليما قانونيا ودستوريا”.



Source link

Exit mobile version