زنقة 20 ا عبد الرحيم المسكاوي
أودت الفاجعة التي عرفتها مدينة آسفي، جراء الفيضانات الأخيرة، بحياة 37 شخصا إلى حدود الساعة في حصيلة محينة، إضافة إلى عشرات المصابين، في حصيلة ثقيلة صدمت الرأي العام الوطني، وطرحت بقوة سؤال التقصير والمسؤولية في تدبير مخاطر الكوارث الطبيعية.
وفي أول تفاعل رسمي، أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بآسفي أن النيابة العامة قررت فتح بحث قضائي، عهدت به إلى مصالح الشرطة القضائية المختصة، من أجل الوقوف على الأسباب الحقيقية لهذه الكارثة، والكشف عن ظروفها وملابساتها، وترتيب المسؤوليات القانونية المحتملة.
وبرغم التحذيرات الجوية المسبقة التي أكدت قدوم أمطار عاصفية قوية، سجل غياب تام لأي إجراءات استباقية على أرض الواقع، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول دور السلطات الإقليمية والجماعية، وكذا الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات (SRM)، التي يقع على عاتقها جزء من مسؤولية تدبير الشبكات والبنيات المرتبطة بالمياه.
ويحمّل متابعون للشأن المحلي مسؤولية مشتركة لكل من عمالة إقليم آسفي ومن تعاقب على رئاستها، ومجلس بلدية آسفي، والشركة الجهوية متعددة الخدمات، معتبرين أن الكل كان على علم بطبيعة الخطر، غير أن منطق الانتظار والارتجال طغى على منطق الوقاية والتخطيط، ما أدى إلى كارثة كان بالإمكان الحد من آثارها.
وتبرز الفيضانات الأخيرة فشلا واضحا في تنزيل التوصيات التقنية المعروفة منذ سنوات بخصوص واد الشعبة، الذي يعد مجرى مائيا ذا ذاكرة فيضانية قوية، حيث لم يتم اتخاذ أي خطوات جدية لتوسيع مجراه، أو بناء سدود تلية أعلى الواد، أو إحداث قنوات تحويل لتصريف مياه الفيضانات، رغم تكرار التنبيهات بخصوص خطورته على الأحياء المجاورة.
كما يسجل تقصير في تحرير الملك العمومي المائي من البناء العشوائي، واستمرار الترخيص بالبناء في مناطق مصنفة عالية الخطورة، في خرق واضح لمقتضيات التعمير والوقاية، وهو ما يجعل المسؤولية لا تقتصر على تدبير لحظة الأزمة فقط، بل تمتد إلى سنوات من التساهل الإداري وغياب المحاسبة.
ويرى متتبعون أن ما وقع بآسفي لا يمكن تصنيفه كحادث طبيعي معزول، بقدر ما هو نتيجة تراكمات من سوء التدبير وغياب الرؤية الاستباقية، مؤكدين أن استمرار الإفلات من المحاسبة سيجعل مدنا أخرى مرشحة لتكرار المأساة نفسها.
وتطالب فعاليات مدنية وحقوقية بفتح تحقيق إداري وتقني شامل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع الإسراع بإخراج حلول جذرية تحمي أرواح المواطنين، بدل الاكتفاء بإجراءات ظرفية لا تصمد أمام أول اختبار طبيعي قوي.





