يحبس الفاعلون الاقتصاديون المغاربة أنفاسهم قبل أسبوع من دخول التوجيه الأوروبي رقم 2024/1619، والمعروف بـ(CRD6)، المتعلق بالبنوك ومؤسسات القروض الأجنبية النشطة داخل الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، بحيث يُتوقع أن تكون له تداعيات ثقيلة على تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج لذويهم في أرض الوطن.
وتمثل هذه التحويلات متنفساً لا يستهان به للاقتصاد الوطني، ومحفزاً للظروف المعيشية للأسر المغربية التي يقيم أفراد منها خارج تراب المملكة؛ إذ سجلت هذه الحوالات المالية ارتفاعا جديداً إلى 111.53 مليار درهم متم شهر نونبر الماضي، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن مكتب الصرف، أي بنسبة 1.6% على أساس سنوي.
وبالإضافة إلى دوره الاجتماعي المذكور، يَلعب كرَمُ مغاربة المهجر أدوارا اقتصادية حيوية بالمغرب، بحيث مثلت تحويلات المغتربين في سنة 2024 نسبة 7.7 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي للمملكة، كما تمثل مصدراً حيوياً لرصيدها من العملة الصعبة.
غير أن التوجيه الأوروبي الذي يلوح في أفق متم الأسبوع القادم، والساعي لترسيخ إطار موحد للحد الأدنى من المتطلبات المفروضة على فروع البنوك ومؤسسات الائتمان التابعة لدول من خارج الاتحاد الأوروبي والعاملة داخله، أثار مخاوف لدى البنوك المغربية المعنية، تسللت كذلك إلى “بنك المغرب” والحكومة، مخافة تأثيرها سلبا على دينامية تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.
لكن الخبير الاقتصادي، إدريس الفينة، من جانبه، لا يتفق مع هذا “التهويل الإعلامي” الذي يقدّم “CRD6″ كـ”خطر وشيك” على التحويلات، مشدداً على أن “القراءة الاقتصادية الدقيقة تفرض قدراً أكبر من التمييز بين الأثر القانوني في سنة 2026، والأثر التشغيلي الحقيقي الذي يُنتظر أن يُفعّل أساساً ابتداءً من 2027”.
وفصّل الأستاذ بالمعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، بأن التوجيه الجديد لا يستهدف البنوك المغربية تحديداً، بل “يَسعى لإدماج البنوك الأجنبية في منطق أوروبي استقراري صارم لا يميز بين بنك دولي ضخم ذي مخاطر نظامية، وبنك إقليمي يخدم أساساً الجاليات المهاجرة”.
وأضاف أن من بين النقاط التي يكثر حولها الالتباس، الاعتقاد بأن “CRD6” يفرض تلقائياً تحويل فروع البنوك غير الأوروبية إلى شركات تابعة، غير الواقع هو “أن التوجيه لا يقر عتبة آلية واحدة، بل يفتح المجال أمام السلطات الرقابية الأوروبية لتقييم “الأهمية النظامية” لكل حالة على حدة”.
بمعنى آخر، يضيف رئيس المركز المستقل للتحليلات الاستراتيجية، “فإن التحول إلى شركة تابعة قد يصبح مطلوباً في حالات معينة إذا اعتُبر حجم النشاط أو نمطه مهدداً للاستقرار المالي، لكنه ليس قاعدة عامة”.
مع ذلك فإن هذا الاحتمال وحده يفرض على البنوك المغربية الاستعداد المبكر، لأن كلفة هذا التحول من حيث الرسملة والحوكمة مرتفعة.
وخلص الفينة إلى أن سيناريو انهيار أو توقف التحويلات غير مرجح ومبالغ فيه، مبرزاً أن السيناريو الواقعي هو أن ارتفاع كلفة الامتثال البنكي، الذي قد ينعكس في المدى القصير على رسوم التحويل وآجاله وسلاسة الخدمة، قد يدفع جزءاً من الجالية إلى اللجوء لقنوات بديلة عن البنوك، مثل شركات الدفع الرقمية أو حلول التكنولوجيا المالية “fintech”.
وفي المحصلة، فإن الخطر الحقيقي لا يداهم تحويلات المغتربين مباشرة، بقدر ما يمثل خطراً على تنافسية البنوك التقليدية.
