تقترب مجموعة “إتش دي هيونداي” الكورية الجنوبية من حسم صفقة استراتيجية لتشغيل حوض بناء السفن الجديد بميناء الدار البيضاء، الذي يُرتقب أن يصبح أكبر منشأة من نوعها في القارة الإفريقية، في خطوة من شأنها أن تعزز حضور الشركة الآسيوية في الأسواق الصاعدة وتمنح المغرب دفعة قوية في مسار تطوير صناعته البحرية.
ووفق ما أوردته وسائل إعلام كورية، فإن الأنظار تتجه إلى نتائج عملية اختيار المشغّل الدولي للحوض الجديد، في ظل مؤشرات متزايدة على تصدّر “إتش دي هيونداي للصناعات الثقيلة” قائمة المرشحين، في ظل وجود أفضلية واضحة للمجموعة الكورية في المسار التقني والمالي للعرض.
ونقلت المصادر ذاتها أن الوكالة المغربية للموانئ تجري المراحل النهائية من التقييمات التقنية لاختيار المشغّل، على أن يتم الإعلان الرسمي في وقت قريب، وسط تنافس دولي محدود يراهن فيه المغرب على استقطاب فاعل صناعي يمتلك خبرة عالمية في إدارة أحواض السفن الكبرى.
ولفتت التقارير الكورية أن “إتش دي هيونداي” تشارك في المشروع عبر تحالف يضم شركة “سوماجيك” المغربية للهندسة، في صيغة “كونسورتيوم” تجمع بين الخبرة الصناعية الكورية والمعرفة المحلية بطبيعة البنية التحتية والبيئة التنظيمية المغربية.
ويهم المشروع إنشاء مركب صناعي بحري ضخم يمتد على مساحة تناهز 210 آلاف متر مربع داخل ميناء الدار البيضاء، ليُصنّف كأكبر حوض لبناء وصيانة السفن في إفريقيا، مع قدرة تشغيلية تشمل السفن التجارية والعسكرية على حد سواء.
ويمنح عقد التشغيل، في حال فوز المجموعة الكورية به، حق استغلال الحوض لمدة تصل إلى 30 سنة، مع إمكانية تقديم خدمات البناء والإصلاح والصيانة الشاملة للسفن، بما في ذلك عمليات التحديث وإعادة التأهيل البحري المعروفة اختصارا بـ “MRO”.
ويمثل المشروع بالنسبة لـ”إتش دي هيونداي” فرصة جديدة لتوسيع شبكة قواعد إنتاجها خارج آسيا، إذ تمتلك حالياً منشآت أو شراكات صناعية في كل من الفلبين وفيتنام والهند، وتسعى إلى إضافة إفريقيا كقاعدة رابعة ضمن استراتيجيتها لتنويع مواقع الإنتاج وتقليص التكاليف.
وتعتمد الشركة الكورية في توسعها الدولي على مزيج من خفض كلفة التصنيع والتموقع المبكر في الأسواق الناشئة، حيث تستأجر حوض “سوبيك” في الفلبين، وتدير في فيتنام شركة “إتش دي هيونداي إيكوفينا” المتخصصة في معدات السفن الصديقة للبيئة، إلى جانب شراكاتها الجارية في الهند.
ويكتسي المشروع المغربي بعدا جيو-صناعيا يتجاوز مجرد استثمار بحري، إذ من شأنه أن يحوّل الدار البيضاء إلى منصة إقليمية لصيانة وبناء السفن، ويمنح المملكة قدرة أكبر على خدمة أساطيلها التجارية والعسكرية محلياً وتقليص الاعتماد على الموانئ الأجنبية.
هذا التوجه الاستراتيجي كان محور اهتمام الصحافة الاقتصادية الأوروبية، حيث نشرت صحيفة “الإيكونوميستا” الإسبانية في أبريل 2025 تقريرا اعتبرت فيه أن مشروع حوض الدار البيضاء قد “يعيد رسم خريطة الصناعة البحرية في المنطقة” ويشكّل تحديا مباشرا لإسبانيا وأحواضها الجنوبية.
وأشارت الصحيفة إلى أن المغرب استثمر ما يقارب 300 مليون دولار في هذا المركب البحري، الذي يعادل حجمه نحو ثلاثين ملعب كرة قدم، مؤكدة أن المشروع لا يقتصر على الصيانة والإصلاح، بل يهدف أيضاً إلى منافسة أحواض بناء السفن في جنوب أوروبا، وعلى رأسها الشركة الإسبانية الحكومية “نافانتيا”.
ووفق المصدر ذاته، فإن الوكالة الوطنية للموانئ أطلقت طلب عروض دولي لتفويت إدارة الحوض لمدة 30 سنة، في مسعى لجذب مشغّل عالمي قادر على تجهيز وتشغيل المنشأة وفق المعايير الصناعية الحديثة، مع استهداف الطلب الأوروبي المتزايد على خدمات الصيانة والبناء البحري.
وأضافت “الإيكونوميستا” أن المغرب يسعى إلى تكرار تجربته الصناعية الناجحة في قطاع السيارات داخل المجال البحري، مستفيدا من عوامل الجذب ذاتها، من بينها كلفة اليد العاملة التنافسية، والاستقرار السياسي، وشبكات البنية التحتية الحديثة، والمرونة الضريبية مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.
كما أبرز التقرير أن المشروع يكتسب بعدا استراتيجيا إضافيا في ضوء تحولات سوق الصيانة البحرية الدولية، خاصة بعد انتقال صيانة بعض الأساطيل الأجنبية إلى موانئ مغربية في السنوات الأخيرة، إلى جانب اهتمام الرباط بالتكنولوجيا الكورية في هذا المجال.
