تبدو العلاقات الفرنسية الجزائرية مقبلة على مرحلة تهدئة حذرة بعد أشهر من القطيعة والتوتر الدبلوماسي الحاد، إذ شكلت تصريحات وزير الداخلية الفرنسي الجديد لوران نونيز، وحضور السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتي لاحتفالات ذكرى 17 أكتوبر 1961، مؤشرا مزدوجا على رغبة باريس في إعادة فتح قنوات التواصل مع الجزائر وإذابة الجليد الذي تراكم منذ صيف 2024.
نونيز، الذي تولى حقيبة الداخلية خلفا لروتايو، أعرب في مقابلة مع وسائل إعلام فرنسية عن استعداده لإعادة الحوار الأمني مع الجزائر، واصفا انقطاع التعاون بين البلدين بـ”المشكلة الكبيرة” التي يجب تجاوزها سريعا.
وقال وزير الداخلية الفرنسي في حديث نقلته وكالة الأنباء الفرنسية إنه يفهم أن التوتر القائم مع الجزائر أدى إلى توقف العلاقات الأمنية وتبادل المعلومات، لكنه اعتبر أن هذا الوضع مقلق، بل يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لوزير داخلية. وأكد في السياق ذاته ضرورة استئناف الحوار مع الجزائريين بشأن قضايا الأمن وتبادل المعلومات، مشيراً إلى أنه سيعمل على ذلك بنفسه.
الوزير الفرنسي لم يُخفِ رغبته في معالجة الملفات التقنية المتصلة بالترحيل والهجرة، مؤكدا عزمه على إعادة تفعيل إصدار الوثائق القنصلية وتصاريح المرور الخاصة بترحيل المهاجرين غير النظاميين من أصل جزائري، قائلا: “من الواضح أننا بحاجة إلى استئناف إصدار تصاريح المرور، وسأهتم بالأمر شخصيا”، وهي تصريحات اعتبرتها الصحافة الفرنسية بمثابة أول رسالة تهدئة من الحكومة الجديدة تجاه الجزائر منذ أشهر القطيعة.
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من مشاركة السفير الفرنسي لدى الجزائر في مراسم إحياء الذكرى الـ64 لأحداث 17 أكتوبر 1961 في باريس، وهي المرة الأولى منذ بداية الأزمة التي تشهد فيها العلاقات الثنائية إشارة رمزية بهذا الوزن السياسي والتاريخي.
وقد جرى الحفل على ضفاف نهر السين بالقرب من جسر سان ميشال، بمشاركة شخصيات رسمية جزائرية وفرنسية، لتكريم المتظاهرين الجزائريين الذين قُمعوا خلال احتجاجات سلمية في العاصمة الفرنسية قبل أكثر من ستة عقود.
وتعود جذور الأزمة بين الحزائري وفرنسا إلى اعتراف باريس الرسمي بسيادة المغرب على الصحراء ودعمها لمقترح الحكم الذاتي في صيف 2024، حيث تسببت في تجميد العلاقات الأمنية والسياسية بين البلدين، وأدت إلى تبادل مواقف حادة شملت تعليق التعاون القنصلي وتجميد إصدار التأشيرات وإلغاء اتفاق الإعفاء المتبادل لحاملي الجوازات الدبلوماسية.
كما رفضت الجزائر استعادة عدد من رعاياها الخاضعين لأوامر مغادرة التراب الفرنسي، ما فاقم الخلاف مع باريس، إلى جانب ذلك، عاد اتفاق 1968 المنظم لإقامة الجزائريين في فرنسا إلى واجهة النقاش، إذ دعا سياسيون فرنسيون إلى مراجعته بدعوى أنه يمنح امتيازات غير متكافئة للمهاجرين الجزائريين، لكن نونيز رفض الخوض في هذا الملف، مؤكدا أن “الاتفاق قائم ويعمل، رغم أنه ليس مثاليا”، مشيرا إلى أن إعادة النظر فيه ليست مطروحة حاليا على جدول الأعمال.
