يستعد وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان للقيام بزيارة رسمية جديدة إلى المغرب، تشمل الرباط والدار البيضاء يومي الثاني والثالث من فبراير، في خطوة تعكس متانة الشراكة الثنائية في ملفات حساسة، على رأسها مكافحة الاتجار الدولي بالمخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتأتي هذه الزيارة بعد أقل من عام على آخر محطة رسمية لدارمانان بالمغرب، والتي كانت في مارس 2025، ما يمنحها دلالة سياسية وقضائية خاصة، في ظل تزايد التحديات المرتبطة بنشاط شبكات إجرامية تنشط بين ضفتي المتوسط، وتداخل ملفاتها مع قضايا تهريب المخدرات وتبييض الأموال والجرائم المرتبطة بالاقتصاد الرقمي.
وخلال الأشهر الماضية، شهد التعاون القضائي بين الرباط وباريس تطورًا لافتًا انتقل به من مستوى التنسيق إلى مرحلة التنفيذ العملي لقرارات ثقيلة الأثر، ففي يناير 2025، سلّم المغرب إلى فرنسا أحد أبرز المشتبه في قيادتهم شبكة إجرامية تنشط بمدينة مارسيليا، في خطوة عكست مستوى الثقة المتبادلة بين المؤسستين القضائيتين في البلدين.
وبعد ذلك بأشهر قليلة، برز ملف آخر لا يقل حساسية، تمثّل في توقيف شخص يحمل الجنسيتين المغربية والفرنسية بمدينة طنجة، يُشتبه في ضلوعه في تدبير عمليات اختطاف مرتبطة بعالم العملات المشفّرة، وهي قضايا باتت تشكّل مصدر قلق متزايد للسلطات الأوروبية، وتسعى باريس اليوم إلى تفعيل مسطرة تسليمه في إطار التعاون القضائي القائم.
وتعزز هذا المسار مع نقل مشتبه فيهما بالتواطؤ مع تاجر مخدرات فرنسي خطير إلى فرنسا خلال غشت الماضي، بعد توقيفهما سابقًا بالمغرب، وهي قضية أكدت وسائل إعلام فرنسية أهميتها بالنظر إلى ارتباطها بعملية فرار عنيفة من سيارة لنقل السجناء داخل فرنسا، أسفرت عن مقتل عنصرين من حراس السجون، ما جعلها تحظى بمتابعة سياسية وأمنية واسعة في باريس.
وعقب عملية التسليم، عبّر وزير العدل الفرنسي عن امتنانه للسلطات المغربية، مشيدًا بسرعة التجاوب القضائي، ومؤكدًا أن هذا التعاون يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق بين البلدين، ودورًا محوريًا للمغرب في دعم الجهود الفرنسية في مكافحة الجريمة المنظمة.
ومن المنتظر أن تتخلل الزيارة الحالية لقاءات مع مسؤولين مغاربة، في مقدمتهم وزير العدل، مع إمكانية عقد اجتماع مع وزير الداخلية، في ظل تداخل الملفات القضائية بالأبعاد الأمنية، وذلك في إطار مسعى مشترك لتعزيز آليات العمل الثنائي، خاصة في القضايا المرتبطة بالمطلوبين دوليًا وتبادل المعلومات القضائية.
وعلى هامش الزيارة، يُرتقب أن يشارك دارمانان في ندوة علمية بمدينة الدار البيضاء، مخصّصة لموضوع التحكيم الدولي ومكانة باريس كمركز قانوني عالمي، وتنظم بشراكة مع الاتحاد العام لمقاولات المغرب، في خطوة تعكس اهتمامًا فرنسيًا بتعزيز التعاون القانوني والاقتصادي إلى جانب الشق القضائي والأمني.
وكان وزير العدل الفرنسي قد أعلن عن زيارته المرتقبة عبر منشور على منصة «إكس»، أشار فيه إلى لقائه بسفيرة المغرب لدى باريس سميرة سيتايل، مؤكدًا وجود تقارب في الرؤى بشأن ملفات استراتيجية، مركزا في رسالته على مكافحة الاتجار بالمخدرات باعتبارها أولوية مشتركة، ومشددًا على عزم البلدين مواصلة العمل المشترك «بأقصى درجات الحزم».
وتشير معطيات نشرتها صحيفة “أفريكا إنتلجنس” إلى أن الزيارة ستتطرق أيضًا إلى قضايا دقيقة، من بينها آليات تحديد هوية مطلوبين فرنسيين يُشتبه في وجودهم بالمغرب، وإمكانية تسليمهم، وهي ملفات لطالما شكّلت اختبارًا للتوازن بين السيادة الوطنية ومتطلبات التعاون القضائي الدولي.
ولا تنفصل هذه الزيارة عن المسار العام للعلاقات القضائية بين الرباط وباريس، إذ سبق للطرفين أن وقّعا إعلانًا مشتركًا ركّز على مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما شكّل إطارًا مرجعيًا لتعزيز التعاون المؤسساتي.
