يعاني آلاف المرضى المغاربة من انقطاعات متكررة للأدوية في الصيدليات، ما يضع رحلة العلاج أمام تحديات يومية معقدة، ويضطر العديد منهم إلى التنقل بين عدة صيدليات بحثًا عن أدويتهم الضرورية، أو اللجوء إلى بدائل قد لا تكون بنفس الفعالية، ما يسائل دور وكالة الأدوية والمنتجات الصحية في توفير مخزون دوائي يكفي المغاربة وبدائل عند حدوث مثل هذه الأزمات في سوق الدواء.
أزمة قطاع الأدوية وانقطاعاتها المتكررة، خصوصاً المتعلقة بالأمراض المزمنة، أكدها رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، في الندوة الصحفية المخصصة لتقديم رأي “دركي المنافسة” حول وضعية المنافسة في سوق الأدوية، حين كشف احتكار أدوية السرطان، في بعض المدن، من طرف صيدليات كبيرة، إما بسبب نقص الاستيراد وبالتالي ارتفاع سعره لمستويات لا يستطيع معها الصيدلي الصغير عرضها للبيع أو بسبب احتكارها من طرف بعض الصيدليات الكبيرة.
وتنص المادة 4 من القانون رقم 10.22 المتعلق بإحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية على أنه من بين المهام المنوطة بالوكالة السهر في حدود اختصاصاتها على ضمان توافر الأدوية والمنتجات الصحية والولوج إليها وعلى جودتها وسلامتها وفعاليتها، ما يجلعها مسؤولة على توفير الأدوية للمرضى المغاربة باستمرار وجهة وصية على تدبير أزمات انقطاع الأدوية.
من جانب آخر، ومنذ إحداثها سنة 2023، تعاني الوكالة من أزمة تدبيرية حقيقية على مستوى مواردها البشرية، بسبب انتهاء مدة الإلحاق التلقائي لعدد من الموظفين الذي اشتغلوا في البداية بالوكالة (أكثر من 100 موظف)، دون أن يعبروا عن رغبتهم في الاستمرار، ما يعني “نزيفاً حاداً” في الموارد البشرية القادرة على ترجمة مهام الوكالة على أرض الواقع وبالتالي تحولها إلى “وكالة مشلولة”.
انقطاعات تهدد حياة المرضى
علي لطفي، رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، قال إن “وكالة الأدوية” تتحمل المسؤولية الكاملة وفقا للقانون المنظم لها في توفير المخزون الكافي للأدوية، مشيراً إلى أن الوكالة تسهر على عدم نفاد وانقطاع أدوية في السوق المغربية وفي الصيدليات.
واعتبر لطفي، في حديث مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية ليست مجرد جهاز إداري يرخص لبيع الأدوية في السوق المغربية ويحدد أسعارها، بل هي “الضامن الرئيسي ” للأمن الدوائي بمفهومه الواسع وفق القانون المنظم لها.
وشدد المهتم بالشأن الصحي والدوائي بالمغرب أنه من الأدوار الأساسية للوكالة، وفق القانون المنظم لها ودفتر التحملات، هو مراقبة المخزون الاحتياطي الاستراتيجي والمخزون الأمني، لافتاً إلى أنه من مهامها السهر على احترام المصنعين والموزعين للمخزون الأمني (الذي يعادل عادة 3 أشهر للمصنعين وشهر واحد للموزعين).
وفي هذا السياق، أوضحت لطفي أن الوكالة مطالبة بوضع نظام يقظة لرصد بوادر انقطاع أدوية معينة، قبل حدوثها، لإدارة انتباه الشركة المصنعة محليا أو المستوردة وللبحث عن بدائل كدواء جنيس أو مماثل، مشددا على أن الوكالة هي المسؤولة عن تسريع تراخيص الأدوية الجنيسة لسد الفراغ في حال انقطاع الدواء الأصلي.
واعتبر المتحدث ذاته أن أي خلل في وفرة الدواء على المستوى الوطني يعتبر تقصيراً في الوظيفة الرقابية للوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، فدورها رئيسي ومحوري في تنظيم وتأمين السوق الدوائي الوطني، من خلال استراتيجية تجمع بين التدخلات الاستعجالية والإجراءات الهيكلية والمراقبة و خلق نظام للتتبع لضمان توفر الأدوية في الصيدليات والمستشفيات والمخزون الاحتياطي والأمني لدى شركات الأدوية.
وتابع لطفي أن هذه الأزمة تتضاعف حينما يتعلق الأمر بنفاد أدوية الأمراض المزمنة في المغرب، حيث تنقطع هذه الأدوية لما بين 2 إلى 3 أشهر مستمر بدون بدائل فورية، خاصة تلك ذات الاحتكار أو الاعتماد على الاستيراد، منها على سبيل المثال، أدوية الصرع والأعصاب والسرطانات وأدوية الغدة الدرقية وأدوية القلب والسكري ومكافح للتجلط وأدوية السكري الأساسية و النقص في جرعات محددة.
وسجل لطفي أن انقطاعات الأدوية تشمل أكثر من 600 صنف دواء مزمن في 2025، وفي سنة 2024 بلغت نسبة الأدوية المنقطعة 19.3 في المئة، أي حوالي 1200 دواء، من أصل 6211 مرجع.
“وكالة مشلولة”
من جانب اعتبر رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، رشيد حموني، أن “الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية كانت مطلبا للجان برلمانية استطلاعية طيلة السنوات الماضية”، مبرزاً أن “المهام الاستطلاعية توقفت على أهمية تحويل تحويل مديرية الأدوية والصيدلة إلى وكالة وطنية مستقلة للأدوية والمنتجات الصحية”.
وأضاف حموني، في حديث مع جريدة “مدار21” الإلكترونية، أن تحويل هذه المديرية إلى وكالة نابع من الاختلالات التي وقفت عليها المهام الاستطلاعية البرلمانية في تسيير وتدبير وتنظيم قطاع الأدوية بالمغرب”، مشيراً إلى أن الحديث عن تدبير قطاع الأدوية هو حديث عن إجراءات بملايير الدراهم، وبالتالي ضرورة إحداث وكالة مستقلة لتنظيمه.
وسجل المصدر عينه أن إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية جاء في سياق إصلاح المنظومة الصحية وورش تعميم التغطية الصحية، مواصلا أنه بمجرد تعيين المدير العام للوكالة عرفت “هجرة جماعية” لأطرها، دون أن نعرف إلى اليوم سبب هذه “الهجرة”، هل بسبب سوء تدبير الوكالة للموارد البشرية أم اضطرابات المرحلة الانتقالية بين المديرية والوكالة؟.
وعن تداعيات هذه الأوضاع غير العادية التي تعيشها الوكالة على قطاع الأدوية وتوفرها في الصيديات، أوضح المتحدث ذاته أن “جميع ملفات شركات الأدوية متوقفة بسبب الشلل الذي أصاب هذه الوكالة منذ إحداثها وبالتالي غياب الترخيص من أجل وضع الأدوية في السوق الوطنية”.
وفي نفس الصدد، أشار المتحدث ذاته إلى أنه حتى ملفات استيراد بعض المعدات الطبية والصحية ما تزال معلقة لدى السلطات الجمركية لغياب التراخيص التي من المفترض أن تصدرها الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، لافتاً إلى أن هناك بعض الموظفين اليوم في الوكالة، لكن عددهم القليل لا يكفي للقيام بكل هذه الإجراءات.
وبسبب هذه المشاكل الإدارية والتنظيمية للوكالة، يؤكد رئيس فريق حزب التقدم والاشتراكية بمجلس النواب أن عوض أن تساهم في تطوير قطاع الأدوية وتعزيز حكامته، أصبحت تمارس درواً عكسياً بمساهمتها في توقف عدد من الإجراءات القانونية المنوطة بها ومراقبة سوق الأدوية والصيادلة بسبب مشاكل إدارية وقلة الموارد البشرية.
