كما دخل عبد اللطيف وهبي وزارة العدل مصرا على الجدل، يبدو أنه عازم على مغادرتها بالطريقة نفسها، كأن ولايته مسار دائري يبدأ بالصدام ولا يكتمل إلا به، وزير يعرف أن الضجيج يجذب الانتباه أكثر من الهدوء، فاختار أن يجعل من الخلاف عنوانًا دائمًا، لا مرحلة عابرة في تدبير الشأن العام.
ومرة أخرى، يدير وزير العدل ظهره لزملائه السابقين من هيئة المحامين، متناسيًا أن السياسة لا تُدار بعناد المواقف ولا بمنطق كسر الإرادات، بل بفن التنازل الذكي، غير أن وهبي، الذي خبر دهاليز المهنة، يبدو وكأنه يختبرها اليوم من موقع الخصم، لا من موقع الشريك في الإصلاح.
هكذا يستمر الاحتقان بين جمعية هيئات المحامين ووزارة العدل حول مشروع القانون المنظم للمهنة، احتقانٌ تجاوز النقاش التقني إلى شدٍّ سياسي مفتوح، دفع أصحاب البذلة السوداء إلى شلّ محاكم المملكة طيلة الأسبوع الجاري من 26 إلى 30 يناير، في مشهد يوحي بأن العدالة نفسها دخلت إضرابًا اضطراريًا.
وفي خضم هذا الصراع، تتعالى التنبيهات الحقوقية محذّرة من كلفة هذا الانسداد، حيث تُعلَّق مصالح المواطنين، وتُمسّ حرية معتقلين غير محكومين، خاصة في القضايا الجنائية، ليبقى السؤال معلقًا: هل يُعقل أن تُدار العدالة بمنطق ليّ الذراع، أم أن السياسة ستتذكر أخيرًا أنها وُجدت لتفكّ الأزمات لا لتراكمها.
