المغرب نيوز

يحدث في الجزائر.. احتجاجات تُجار تُقمع، وشارع ممنوع من التضامن مع فلسطين لكن يُفتح للاحتفال بخسارة المغرب كُرويا

يحدث في الجزائر.. احتجاجات تُجار تُقمع، وشارع ممنوع من التضامن مع فلسطين لكن يُفتح للاحتفال بخسارة المغرب كُرويا


في وقتٍ تُواجه فيه التجمعات والوقفات والمسيرات داخل الجزائر منذ سنوات بما فيها التضامنية مع الشعب الفلسطيني، بالمنع الصريح أو التفريق الفوري بدعوى الحفاظ على النظام العام، شهدت شوارع وأحياء في مدن جزائرية عقب نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، تجمهرات واحتفالات صاخبة بمناسبة خسارة المنتخب المغربي دون تسجيل أي تدخل رسمي يُذكر في تناقض صارخ بين تشدد السلطة إزاء التظاهر ذي الطابع الاجتماعي أو السياسي، ومرونتها الظاهرة حين يتحول الشارع إلى مساحة للاحتفاء بهزيمة منتخب كروي لدولة أخرى، وهو ما يعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة جديدة حول معايير السماح والمنع في إدارة الفضاء العمومي الجزائري وحدود ما يُعتبر “مقبولا” في الشارع، وما يُصنّف “مهددا” حين يتعلق الأمر بالتعبير الداخلي.

وبرزت فصول المفارقة الغريبة، في ليلة أمس الأحد عندما انتهت مباراة نهائي كأس أمم إفريقيا بفوز السنغال على المغرب بعد الوقت الإضافي، في لقاء اتسم بتوتر غير عادي عقب ركلة جزاء صحيحة للمغرب بعد مراجعة تقنية الفيديو VAR، واحتجاج سنغالي وصل إلى حد مغادرة لاعبين أرضية الملعب مؤقتا ثم استئناف اللعب بعد توقف طويل، قبل أن يهدر لاعب المنتخب المغربي إبراهيم دياز ركلة الجزاء وتُحسم المباراة بهدف للسينغاليين في الدقيقة 94 من الوقت الإضافي.

 في الجزائر، لم يكن صدى النهائي محصورا في التحليلات الرياضية، فمقاطع فيديو متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي أظهرت تجمعات واحتفالات في الشارع أبواق سيارات، هتافات، أضواء وأهازيح وأغانٍ ترافقت في بعض اللقطات مع رموز سياسية مرتبطة بالنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية، إذ ثبت أن “الحدث” انتقل من خانة “نتيجة مباراة” إلى خانة “رسالة” و”قراءة سياسية” في جزء من التفاعل الشعبي، وأن هذه القراءة وجدت طريقها إلى المجال العام من خلال فضاء رقمي واسع التداول.

اللافت في هذا المشهد ليس فقط مضمون الاحتفال، بل شرط داخل فضاء عمومي جزائري صار منذ 2019، محاطا بمنظومة ضبط متشددة تجاه التجمهرات والمسيرات. ولعل تقارير حقوقية دولية توثق أن السلطات الجزائرية شددت القيود على الاحتجاجات السلمية في مرحلة ما بعد الحراك بما فيها تلك المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي تدعي السلطة أنها في مقدمة قضاياها الترافعية، وكل ذلك مع موجات توقيف ومتابعات قضائية ضد نشطاء وصحافيين ومتظاهرين، وتقييد فعلي لعودة المسيرات الأسبوعية التي طبعت الحراك، خصوصا ابتداء من 2021 وهو ما تؤكده تقارير لـ “أمنستي” متعددة وتقارير أخرى لمراسلون بدون حدود.

وفي الأيام القليلة التي سبقت نهائي كأس أمم إفريقيا، شهدت عدة مدن جزائرية احتجاجات لتجار وأسواق محلية على خلفية أوضاع اقتصادية متدهورة، شملت ارتفاع كلفة الاستيراد، تشديد المراقبة الجبائية، اضطراب التموين، وتراجع القدرة الشرائية فيما هذه التحركات، التي بقيت محدودة في الزمن والمكان جرت محاصرتها بسرعة بإلقاء اللوم على أجندات خارجية بما فيها توجيه أصبع الاتهام للمغرب، ولم يُسمح لها بالتحول إلى حدث عمومي واسع كما غابت تقريبا عن التغطية في الإعلام الرسمي، أو قُدّمت بصيغة تقنية مُفرغة من بُعدها الاجتماعي في انسجام مع نهج بات مألوفا منذ 2019 يقوم على تحييد أي تعبير جماعي داخلي مستقل.

ما يلفت الانتباه في هذه الوقائع، ليس فقط تفريق الاحتجاجات أو طمسها إعلاميا، بل تزامنها الزمني مع فتح المجال بعد أيام قليلة لتجمعات ذات طابع احتفالي مرتبطة بخسارة المغرب كرويا.

ففي حين اعتُبرت مطالب التجار مسألة “حساسة” تستوجب الضبط والمنع، جرى التساهل مع خروج الشارع حين اتجه الانفعال نحو الخارج، وهذا التباين يعكس منطقا واضحا في إدارة الفضاء العمومي أي الغضب الداخلي يُقمع، والغضب الموجَّه خارجيا يُترك يمرّ.

بهذا المعنى، تحولت خسارة المغرب إلى أداة لتصريف الاحتقان الاجتماعي، وصرف النظر عن أسئلة الداخل المؤجلة، فبدل أن تفتح احتجاجات التجار نقاشا عاما حول السياسات الاقتصادية والضريبية، جرى إزاحتها سريعا من المشهد ليحل محلها خطاب تعبوي يُعيد توجيه الانتباه نحو “الخصم الخارجي” ضمن عملية تحويل كلاسيكية للأنظار تقوم على طمس المطالب الاجتماعية، وتضخيم سردية المواجهة مع المغرب، بما يسمح بتنفيس مؤقت لا يهدد توازنات السلطة ولا يفرض عليها الإجابة عن اختلالات الداخل.

ومنذ 2019، مع صعود عبد المجيد تبون بعد انتخابات دجنبر 2019، دخلت الجزائر مرحلة إعادة تركيب للشرعية، ووعدٌ بالإصلاح من جهة، وتشديد ملحوظ على ضبط الفضاء المدني والإعلامي من جهة ثانية، وفق ما توثقه تقارير منظمات دولية وحقوقية بما فيها “هيومان رايت واتش”، وفي مثل هذه المراحل، يصبح “الخارج” مادة مريحة لإعادة ترتيب الداخل ليس لأن الخارج يفسر كل شيء، بل لأنه يمنح السلطة مسرحا تعبويا منخفض التكلفة سياسيا مقارنة بمسرح المطالب الاجتماعية والاقتصادية والحريات.

لكن ما الذي يعنيه أن يتركز جزء من الفرح في الشارع على “هزيمة المغرب” أكثر من “انتصار السنغال”؟ هنا يتجاوز التحليل حدود الرياضة إلى سوسيولوجيا الانفعال السياسي، ففي المجتمعات التي تُستنزف فيها أدوات التعبير الداخلي أو تُحاصر فيها السياسة في قنوات ضيقة قد يتحول “الحدث الرياضي الخارجي” إلى بديل للتنفيس ومساحة للتجمع دون مخاطرة مباشرة في معارضة السلطة لأن موضوعها لا يطالب بتغيير داخلي وهذه ليست فرضية أخلاقية بقدر ما هي توصيف لوظيفة اجتماعية تمكن التعبير الذي يُسمح به حين لا يُحرج الدولة ولا يفتح ملفاتها ويساير توجهاتها المعادية لكل ما هو مغربي ويُضيَّق عليه حين يلامس توازناتها.

ثم تأتي الطبقة الأكثر حساسية، الكامنة في إدخال الرموز السياسية إلى احتفال رياضي، فحين  تظهر في الفضاء العام إشارات مرتبطة بنزاع سياسي (مهما كان حجم حضورها الواقعي)، فهذا يعني أن المباراة  تُقرأ كحلقة من “سردية صراع” تُستدعى عند الطلب، وفي هذه اللحظة، تصبح كرة القدم “صندوق صدى” لصراع سياسي أقدم و تُستثمر الخسارة ويُؤطر الفرح، وتُعاد هندسة صورة الجار بوصفه الخصم الذي يجب أن يُهزم ولو رمزيا فيما أخطر ما في الأمر ليس اللقطة، بل قابلية اللقطة لأن تتحول إلى “قاعدة شعورية” يتغذى عليها خطاب الكراهية المتبادل في المنصات.

على المستوى المغاربي، النتيجة واحدة فكل حدث رياضي كبير يتحول إلى فرصة جديدة لتعميق قطيعة نفسية بين شعبين والمفارقة أن النهائي، نفسه بكل ما شهده من فوضى تحكيمية واحتجاجات وتأخير كان كافيا لأن يُقرأ كأزمة رياضية أفريقية قبل أن يُعاد تدويره كأزمة رمزية إقليمية، فالسنغال ربحت لقبا قاريا في مباراة مشحونة لكن الضجيج الذي تلاها خصوصا خارج سياق التتويج دفع كثيرا من النقاش إلى سؤال آخر من الذي احتفل؟ ولماذا؟ وعلى حساب من؟

وإذا كانت هذه اللحظة تكشف شيئا، فهي تكشف أن “التفرقة” لا تُزرع دائما بخطب رسمية مباشرة أحيانا تُزرع عبر اقتصاد انفعالي عبر السماح بانفعال بعينه، وتقييد آخر وتشجيع سردية خارجية، وإجهاض سردية داخلية وتقديم الشارع كمساحة للفرح الموجّه لا للحق المطلبـي فبعد 2019، ومع ما وثقته تقارير دولية عن تضييق على المجال المدني واحتواء الحراك، تصبح هذه الانتقائية أكثر قابلية للملاحظة، لأنها تُرى في أبسط التفاصيل متى يُسمح للناس بالاجتماع؟ ولأي سبب؟ وبأي ثمن؟ 

وبالتالي فهي ليست قصة نهائي فقط وإنما لحظة عابرة تضيء لبضع دقائق كيف يمكن للرياضة أن تتحول إلى سياسة وكيف يمكن للسياسة، حين تضيق بقضايا الداخل، أن تجد في الخارج مساحة لتجميع ما لا ترغب في رؤيته مجتمعا في الداخل.





Source link

Exit mobile version