سجّلت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج عند متم سنة 2025 مستوى قياسياً جديداً، بعدما تجاوزت 122 مليار درهم، مقابل 118,9 مليار درهم خلال السنة السابقة، وفق ما أفاد به مكتب الصرف في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، مبرزاً أن هذه التحويلات حققت نمواً سنوياً بنسبة 2,6 في المائة، في استمرار لمنحى تصاعدي رسّخ موقعها كأحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد الوطني.
وتعكس هذه الأرقام مرة أخرى الوزن الاستثنائي لمغاربة العالم في دعم التوازنات المالية للمغرب، خاصة في ظل سياق دولي يتسم بتقلبات اقتصادية وضغوط تضخمية متزايدة، غير أن هذا الأداء الإيجابي، على أهميته، يعيد إلى الواجهة نقاشاً قديماً متجدداً حول محدودية الأثر التنموي لهذه التدفقات، ومدى قدرتها على التحول من مورد مالي استهلاكي إلى رافعة استثمارية قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
وكان وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، قد نبّه في وقت سابق إلى وجود فجوة واضحة بين الإمكانات المالية الضخمة للجالية المغربية، التي تتجاوز تحويلاتها السنوية 117 مليار درهم، وبين مساهمتها الفعلية في الاستثمار، التي لا تتعدى 10 في المائة من هذه التحويلات، معتبراً أن هذا المعطى يعكس هامشاً واسعاً غير مستغل، ويحيل على اختلالات بنيوية في آليات استقطاب رساميل مغاربة العالم.
وتؤكد المعطيات الرسمية، مدعومة بهذا التشخيص، أن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الأموال المحولة، بل بطبيعة القنوات التي تستقبلها، وبضعف الجاذبية الاستثمارية الموجهة خصيصاً للجالية، ما يكرس وضعاً تُختزل فيه مساهمتهم في دور ممول خارجي يضخ السيولة دون أن يشارك فعلياً في الدورة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، يرى ياسر الدرويش، الباحث في الاقتصاد، في تصريح لجريدة مدار21 الإلكترونية، أن الأرقام المحينة تكشف عن مفارقة اقتصادية عميقة، تتمثل في تدفقات مالية وازنة تدخل البلاد بانتظام، لكنها لا تُترجم إلى أثر بنيوي طويل الأمد على الاستثمار والنمو، معتبراً أن هذه الموارد باتت أقرب إلى صمام أمان ظرفي للاقتصاد، بدل أن تكون رافعة إنتاجية مهيكلة قادرة على إحداث التحول المنشود.
ويضيف الدرويش أن الارتفاع المحدود في حجم التحويلات، رغم ضخامته المطلقة، يعكس بلوغ هذا المورد مرحلة شبه استقرار، إذ لم يعد مرتبطاً فقط بظروف اقتصادية خارجية، بل أيضاً بمستوى ثقة الجالية في الاقتصاد الوطني وقدرته على توفير قنوات استثمارية آمنة ومربحة، وهو ما يفرض، بحسبه، الانتقال من منطق الاحتفاء بالكتلة المالية إلى طرح سؤال النجاعة الاقتصادية وجدوى الاستخدام.
ويؤكد الباحث أن الاختلال الحقيقي لا يكمن في حجم الأموال المحولة، بل في طبيعة توجيهها، موضحاً أن توجيه الجزء الأكبر منها نحو الاستهلاك أو الادخار غير المنتج يحد من أثرها المضاعف، ويجعل الاقتصاد الوطني معتمداً على تدفقات خارجية لا تخلق قيمة مضافة مستدامة، ولا تساهم بشكل ملموس في تقليص البطالة أو رفع الإنتاجية.
وبحسب الدرويش، فإن المعالجة الجدية لهذا الخلل تمر أولاً عبر بناء منظومة استثمارية موجهة خصيصاً لمغاربة العالم، تقوم على تبسيط المساطر، وضمان الاستقرار القانوني، وتوفير أدوات استثمار جماعي شفافة في قطاعات استراتيجية، بما يحول المهاجر من مجرد محول للأموال إلى شريك اقتصادي فعلي في مسار التنمية.
ويرى المتحدث ذاته أن الحل الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في الانتقال من مقاربة مالية ضيقة إلى مقاربة تنموية شمولية، من خلال ربط تحويلات الجالية بمشاريع ترابية واضحة، وحوافز ضريبية ذكية، ومواكبة مؤسساتية حقيقية، تسمح بتحويل هذا المورد الضخم من دعم ظرفي للتوازنات الماكرو اقتصادية إلى محرك دائم للنمو والاستثمار المنتج.
وتبرز هذه النقاشات أن المغرب، وهو يراكم أرقاماً قياسية في تحويلات مغاربة العالم، يقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن يستمر في التعامل مع هذه التدفقات كرافد مالي يسد به اختلالات آنية، أو أن ينجح في تفعيل إصلاحات مؤسساتية وتشريعية جريئة تعيد توجيهها نحو الاستثمار المنتج، بما يضمن إدماج الجالية بشكل أعمق في المشروع التنموي الوطني، ويحوّل ارتباطها الاقتصادي بالوطن من علاقة تحويل إلى شراكة مستدامة.
