المغرب نيوز

60 في المائة من الادخار و59 في المائة من الاستثمار بيد الشركات.. من يتحكم فعليا في اقتصاد المغرب؟ – الصحيفة

60 في المائة من الادخار و59 في المائة من الاستثمار بيد الشركات.. من يتحكم فعليا في اقتصاد المغرب؟ – الصحيفة


تقدّم الحسابات الوطنية لسنة 2024، كما نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، صورة تبدو في ظاهرها مطمئنة بتسجيل نمو اقتصادي بلغ 7,9 في المائة وناتج داخلي إجمالي في حدود 1596,8 مليار درهم، وادخار وطني وصل إلى 461,7 مليار درهم بارتفاع نسبته 11,6 في المائة غير أن تفكيك هذه الأرقام من زاوية سياسية واقتصادية نقدية يكشف أن هذه “النتائج” ليست حصيلة نموذج تنموي متوازن بقدر ما هي نتاج سياسة اقتصادية تُراكم الأرقام وتؤجل كلفة الاختلالات.

أول ما تفضحه هذه المعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، هو الضعف المسجل داخل منظومة الادخار الوطني فبينما تستحوذ الشركات المالية وغير المالية على 60,3 في المائة من مجموع الادخار لا تتعدى حصة الإدارات العمومية 12,9 في المائة فقط، مقابل 26,8 في المائة للأسر والمؤسسات غير الهادفة للربح.

وهذه البنية تعني بلغة السياسة الاقتصادية شيئا واضحا هو أن الحكومة بقيادة عزيز أخنوش تشرف على اقتصاد ينتج الثروة لكنها لا تحتفظ إلا بالحد الأدنى من قدرة الادخار ما يجعلها دولة هشّة ماليا داخل اقتصاد يبدو قويا حسابيا.

وهذا الاختلال نفسه يتكرّس على مستوى الاستثمار، فإجمالي تكوين رأس المال الثابت بلغ 422,5 مليار درهم سنة 2024، بارتفاع قدره 13,9 في المائة، لكن توزيع هذا الاستثمار يكشف جوهر الاختيار الحكومي 59,2 في المائة من الاستثمار بيد الشركات، مقابل 14,7 في المائة فقط للدولة، فيما تسجل الأسر والمؤسسات غير الهادفة للربح 26,1 في المائة وبهذا التوزيع، لا تعود الدولة محركا استثماريا حقيقيا بل تتحول إلى دولة منسحبة من الاستثمار المباشر مكتفية بتأطير النمو الذي تصنعه المقاولةوهذا خيار اقتصادي-سياسي واضح، يعبّر عن رهان حكومي على منطق السوق أكثر من منطق الدولة الاجتماعية.

لكن أخطر ما تكشفه الأرقام، هو أن النمو لم يحرر الدولة من الارتهان للتمويل فالحاجة إلى تمويل الاقتصاد الوطني بلغت 18,5 مليار درهم سنة 2024، أي 1,2 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بعدما كانت 0,9 في المائة قبل سنة فقط أي أن الحكومة، رغم كل ما تسوقه من نجاحات رقمية، عجزت عن تحويل النمو إلى توازن مالي.

والأدهى، أن طريقة تغطية هذا العجز لم تتغير فالدولة “تلجأ دائما إلى الديون” كما تقول المندوبية نفسها، فقد سجلت إصدارات الخزينة العامة في السوق الداخلي 48,8 مليار درهم، في حين بلغت المديونية الخارجية تدفقا صافيا قدره 19 مليار درهم خلال سنة واحدة.

وبهذا المستوى بلغ صافي تدفق سندات الدين القابلة للتداول المُصدَرة دوليا ناقص 9,4 مليارات درهم، بالمعنى السياسي المباشر حكومة عزيز أخنوش تموّل استمرار توازناتها بالاستدانة لا بالإنتاج الذاتي للموارد، وتدير النمو بمنطق “الهروب إلى الأمام” بدل بناء أسس الاستقلال المالي.

في الوقت نفسه، انتقل قطاع الشركات غير المالية من قدرة تمويلية قدرها 11,9 مليار درهم إلى حاجة تمويلية بلغت 8,2 مليارات درهم، فيما تفاقمت حاجة الشركات المالية إلى التمويل لتصل إلى 9,1 مليارات درهم، وهذه التحولات تعكس أن حتى الفاعلين الذين يقودون النمو بدؤوا يشعرون بضغط التوازنات المالية، في ظل نموذج لا يربط النمو بتقوية القدرة الذاتية على التمويل.

أما على مستوى القروض، فقد سجل صافي تدفق القروض المقدمة للشركات غير المالية 12,9 مليار درهم، أي 15,1 في المائة من التزاماتها، بينما تراجعت القروض الموجهة للشركات المالية إلى 41,9 مليار درهم، في مقابل تحسن غير مسبوق في الودائع بلغ 152,3 مليار درهم وهذا التناقض يعكس اقتصادا تتكدس فيه السيولة داخل البنوك دون أن تتحول بالضرورة إلى استثمار منتج واسع، وهو ما يعكس حدود السياسة الائتمانية والمالية للحكومة.

الأسر من جهتها تعيش على إيقاع مفارقة اجتماعية صامتة،  فقد سجلت مديونيتها وفق أرقام المنددوبية السامية للتخطيط ارتفاعا طفيفا بصافي تدفق قروض بلغ 13 مليار درهم، مقابل ارتفاع كبير في الودائع وصل إلى 86,8 مليار درهم، وهذا التوازي بين الادخار والاقتراض يعكس وضعية اجتماعية غير مستقرة معناه أن الأسر تدخر خوفا من المستقبل، وتقترض لتدبير الحاضر، في سياق لا تزال فيه القدرة الشرائية تحت الضغط بسبب ارتفاع .

أما توزيع الثروة، فيؤكد مرة أخرى محدودية أثر النمو على التوازن الاجتماعي فالشركات ساهمت بـ45,7 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي مقابل 28,4 في المائة للأسر، و14,8 في المائة فقط للإدارات العمومية كما بلغ صافي الضرائب على الإنتاج والواردات 11,1 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، بارتفاع قدره 1,2 نقطة ومع ذلك، لم تتحول هذه الموارد الجبائية الإضافية إلى تقوية موقع الدولة الاستثماري ولا إلى تقليص اعتمادها على المديونية.

وحتى ارتفاع إجمالي الدخل الوطني المتاح إلى 1709,1 مليار درهم، بزيادة 7,7 في المائة، لم يغير من جوهر المعادلة في أن دخل الدولة ارتفع بنسبة 10 في المائة، ومع ذلك واصلت الاستدانة بقوة وهو ما يعني سياسيا أن الإشكال لا يكمن في حجم الموارد، بل في فلسفة التدبير نفسها.

وفي هذا الإطار، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي والمالية العمومية، رشيد يسار، أنه حين نربط بين معطيات الادخار وتوزيع الاستثمار وتطوّر المديونية التي أوردتها المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها نلاحظ أننا أمام تحوّل هادئ لكنه عميق في طبيعة النموذج الاقتصادي.

وأبرز الخبير في حديثه لـ “الصحيفة” أن الاقتصاد يُنتج الثروة بشكل متزايد، لكن قناة تحويل هذه الثروة نحو الدولة، أي الميزانية العمومية، تظل أضعف حلقات السلسلة وهذا ما يفسّر بحسبه استمرار الحاجة إلى التمويل رغم تحسن المؤشرات العامة، مشيرا إلى أن الإشكال في العمق لا يرتبط فقط بحجم الدين بل بنمطه ووظيفته داخل النموذج الاقتصادي هل هو أداة ظرفية لمواكبة الاستثمار، أم أصبح آلية دائمة لسدّ اختلالات بنيوية في التوازنات؟.

وشدد يسار على أنه حين يصبح تمويل السياسات العمومية مرتبطا بانتظام بالاقتراض، فإن هامش المناورة الاجتماعية للدولة يضيق، لأن كل توسّع في الإنفاق يصبح مشروطا بمنطق الأسواق ومزاج الدائنين، وفي هذه الحالة، “لا يعود النقاش حول النمو رقما سنويا، بل حول مدى قدرة هذا النمو على إنتاج استقلال مالي فعلي، يحمي القرار العمومي من التقلبات الخارجية ويضمن استمرارية السياسات الاجتماعية دون الارتهان للدين” وفق تعبيره.

وفي ضوء كل هذه المعطيات، يمكن القول إن سياسة الحكومة الاقتصادية لسنة 2024 قامت على ثلاث ركائز واضحة، هي تفويض النمو للمقاولة بدل قيادته عموميا، وتقليص دور الدولة الاستثماري مقابل توسيع دورها كفاعل مديون، ثم تمويل التوازنات بالاقتراض بدل الادخار العمومي المستدام وهو ما يفضي إلى نتيجة سياسية مباشرة نمو بلا سيادة مالية، رقم قوي بلا توازن اجتماعي، وحكومة تَظهر قوية في الخطاب وضعيفة في البنية.



Source link

Exit mobile version