الجهوية الموسعة  بالصحراء المغربية – مدار21

admin16 نوفمبر 2025آخر تحديث :
الجهوية الموسعة  بالصحراء المغربية – مدار21


لقد اتجهت الدول المتقدمة منها والنامية منذ النصف الثاني من القرن العشرين نحو الأخذ بنظام الحكم المحلي ونظام الإدارة الجهوية، وليس هذا الاتجاه إلا نتيجة طبيعية لعدة متغيرات حدثت في العالم في القرن العشرين خاصة في أواخره، متغيرات قد تكون سياسية، وقد تكون اجتماعية وثقافية واقتصادية، ولا شك أنه كان لها أثرها الفعال والرئيسي في تغيير أسلوب إدارة المجتمعات الإنسانية او كما يسمى بـ” فن إدارة الدولة”.

فالجهوية هي اسلوب أكثر تطورا من اللامركزية، يشمل المجال السياسي إضافة إلى المجالين الإداري والمالي، تطورت في القرن العشرين، وتقوم على إعطاء الجماعة المحلية الجهوية استقلالا إداريا وماليا وسياسيا. كما تفوض لها السلطة المركزية العديد من الاختصاصات، حيث يمكن أن تتمتع بالحكم الذاتي، وتشكل وحدة سياسية.

لقد اختلفت الاتجاهات بخصوص تعريف الجهوية، فمفهوم الجهوية يفيد معنيان ، الأول Régionalisme  ويعني مجموعة متماسكة ذات أهداف سياسية وقد تتحول إلى توجه سياسي ، أما الثاني فيفيد  Régionalisation   ويقصد به بالإطار والمجال الإداري والاقتصادي، بحيث لم يعد ذلك الإطار الذي تطبق سياسة المركزية، بل أصبح مجالا لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية  لمختلف المجتمعات المحلية، وذلك ليس عبر إقصاء السلطة المركزية، بل عبر إشراك  مختلف الفاعلين المحليين في التخطيط والتوجيه  ووضع الاستراتيجيات المحلية وتسيير الشأن العام المحلي.

فإذا كانت الأسباب الاقتصادية، والسعي إلى تحقيق نوع من التوازن في الإمكانيات الاقتصادية بين الجماعات الغنية والفقيرة تعد دافعا مباشرا لنهج اسلوب الجهوية في بعض الدول، بيدا أن السعي إلى تحقيق التكامل الوطني وتعزيزه بين فئات ومناطق مختلفة ثقافيا وعرقيا، تشكل دافعا لنهج الجهوية في دول أخرى.

وتعد إيطاليا من الدول الأولى التي نهجت نظام الجهوية بشكلها المعمق، وذلك في دستورها لسنة 1947، الذي نص على أن الجهات تتكون من هياكل مستقلة، تتمتع بسلطات خاصة بها، ومهام ذاتية حسب ما يحدده الدستور. وتتكون إيطاليا من 20 جهة، باشرت مهامها منذ سنة 1970، 15 جهة لها نظام عادي، و5 جهات لها نظام خاص. وقد تعززت اختصاصات الجهات واستقلالها المالي في إيطاليا بقانون 22 نوفمبر 1999.

كما تبنت إسبانيا نظام الجهوية في دستورها 1978، الذي نص، في مادته الثانية، على ما يلي “يرتكز الدستور على قاعدة الوحدة غير القابلة لتجزئة الأمة الإسبانية (….)، ويعترف ويضمن حق الحكم الذاتي للقوميات والجهات التي تؤلفه، والتضامن بينها جميعا”. كما نص على تمتيعها بمجموعة من الصلاحيات، ومن بينها تنظيم هيئات الحكم الذاتي وتهيئ وإعداد التراب المحلي والسكن والتعمير وصلاحيات في ميادين الخدمات الاجتماعية والصحة والبيئة والوقاية، والاشغال العامة التي تهم الجماعات المحلية وتمتيعها بموارد مالية.

إن نهج سياسة الجهوية يدعم ويحافظ على وحدة تماسك الدولة، واستطاعت إسبانيا أن تحتوي النزعات الانفصالية وبالتالي المحافظة على وحدة الدولة.

و تعد الجهوية الموسعة أعلى مستوى من مستويات اللامركزية الترابية دون الوصول إلى الدولة الفيدرالية. فهي وسيلة لتحديث الدولة دون تجزئة سيادتها، مما دفع الفقه الدستوري إلى تسمية الدول التي تتبنى خيار الجهوية الموسعة ” بالدولة الجهوية L’Etat régional ” كإيطاليا، و” دولة المجموعات المستقلة        ‘Etat autonomes” كإسبانيا، حيث تتمتع فيها مؤسسة الجهة بسلطات سياسية مهمة.

أما بالنسبة للمملكة المغربية، يعرف القانون التنظيمي الجهة على “أنها جماعة ترابية خاضعة للقانون العام، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي، وتشكل أحد مستويات التنظيم الترابي للمملكة، باعتباره تنظيما لا مركزيا يقوم على الجهوية المتقدمة. ويجب التمييز بين الجهوية الموسعة والجهوية المتقدمة، فالأولى (الجهوية الموسعة) تقوم على أساس الجهوية السياسية في إطار اللامركزية السياسية، والذي يتطلب وجود برلمان جهوي منتخب وحكومة جهوية ذات صلاحيات واسعة، ويقتصر دور ممثل السلطة المركزية (الولاة والعمال) على ضمان التنسيق بين المركز والجهات. بالمقابل فإن الثانية (الجهوية المتقدمة) تدخل في إطار اللامركزية الإدارية وتقوم على منح الجهة اختصاصات إدارية واسعة ترتكز على مبادئ التدبير الحر وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم والرفع من مساهمتهم في التنمية البشرية المندمجة والمستدامة.

و في هذا السياق فموضوع الجهوية المتقدمة والجهوية الموسعة، الذي اصبح لهما نفس الحضور خاصة في الاهتمام المرتبط بالمسار العام للتطور اللامركزي المغربي سواء في أبعاده التاريخية القديمة، أو في أبعاده الحاضرة من خلال التراكم الموضوعي لتجربة التنظيم الجهوي الاقتصادي 1971 والقانون رقم 47/96 لسنة 1996  وكذا القانون التنظيمي 111.14المتعلق بالجهات، وكذا الأبعاد المستقبلية لذات المفهوم من خلال المسار الذي عرفته القضية الوطنية الأولى ( قضية الصحراء المغربية) باعتماد مجلس الأمن الدولي، قرارا ينص على منح الصحراء المغربية حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية، فمن خلال هذا وذاك، يجب التفكير مليا بتطوير ورش الجهوية للانتقال بهذه الاخيرة من مقاربة ذات جوهر اقتصادي تنموي إلى جهوية موسعة ذات جوهر مالي وإداري وسياسي بالصحراء المغربية .

و لذا فالجهوية الموسعة هي إحدى الآليات الحديثة للممارسة الديمقراطية، إذ تسمح بالاعتراف بكل الكيانات الاجتماعية التي تتميز عن باقي المكونات من حيث الثقافة والهوية  وبحقوقها السياسية والاجتماعية كحقها في تسيير شؤونها بنفسها في إطار ما يطلق عليه بالحكم الذاتي، هذا الأخير ونظرا لتاريخه الطويل في الفكر الإنساني الفلسفي والقانوني اكتسب  شيئا من الغموض والتعقيد بفعل المضامين والأدوار التاريخية التي مر بها وللازدواج في مدلوله بين الجانب السياسي والجانب القانوني، لكن عموما، يعبر الحكم الذاتي في القانون الدولي العام عن صيغة قانونية لمفهوم سياسي يتضمن منح نوع من الاستقلال الذاتي للأقاليم في إطار الأمم المتحدة .

أما في القانون العام الداخلي فهو نظام قانوني وسياسي يرتكز على قواعد القانون الدستوري، وبتعبير آخر، فهو نظام لا مركزي، مبني على أساس الاعتراف لإقليم مميز قوميا أو عرقيا داخل الدولة بالاستقلال في إدارة شؤونه من خلال هيئات الحكم الذاتي في إطار الوحدة القانونية والسياسية للدولة.

إن تحديد مفهوم الجهوية يثبت صعوبة في وضع تعريف موحد له بفعل الاختلاط التاريخي في الغاية، حيث أن المفهوم يصطدم مع ذاته، ما دامت الجهوية هي مسار متطور ومتجدد باستمرار، تبعا للظروف السياسية والثقافية والاجتماعية المختلفة من بلد لآخر، والمتغيرة زمنيا، فإن الأمر الأكيد هو وجود منطلقات مفاهيمية للجهوية.

علما ﺃﻥ ﺍﻟﻔﺮﻕ ﺍﻟﺠﻮﻫﺮﻱ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺠﻬﻮﻳﺘﻴﻦ ﻫﻮ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ، ﻓﻌﻨﺪﻣﺎ ﻳﻮﺻﻒ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﺘﺮﺍﺑﻲ ﻟﻠﻤملكة ﺑﺄﻧﻪ ﻧﻈﺎﻡ ﻻ ﻣﺮﻛﺰﻱ ﻳﻘﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺠﻬﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ،ﻛﻤﺎ ﺟﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺼﻞ ﺍﻷﻭﻝ ﻣﻦ ﺩﺳﺘﻮﺭ 2011، ﻓﻬﻮ ﻳﻘﺼﺪ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ الإﺩﺍﺭﻱ ﺍﻟﺠﻬﻮﻱ ﻻ ﺍﻻﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺍﻟﺠﻬﻮﻱ، ﻭإﺫﺍ ﺳﻠﻤﻨﺎ ﺑﺎﻻﺳﺘﻘﻼﻝ ﺍلإﺩﺍﺭﻱ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﻓﻨﻜﻮﻥ ﺃﻣﺎﻡ ﺟﻬﻮﻳﺔ ﻣﻮﺳﻌﺔ .

فإذا كانت ﺍﻟﺠﻬﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ، قد لعبت دورا في الانتقال من المركزية إلى اللامركزية الإدارية، فإن الجهوية الموسعة ستساهم في تكريس اللامركزية السياسية كحل متوافق عليه لقضيتنا الوطنية الأولى.

إﺫﻥ ﻓﺎﻟﺘدﺑﻴﺮ ﺍلإﺩﺍﺭﻱ ﻟﻠﺠﻬﺔ ﺑﺼﻔﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺮﻛﺰﻳﺔ يعني ﺍﻟﺠﻬﻮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ، أﻣﺎ ﺍﻟﺠﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺘدبير ﺍلإﺩﺍﺭﻱ ﻭﺍﻟﺴﻴﺎﺳﻲ ﺑﺼﻔﺔ ﻣﺴﺘﻘﻠﺔ وذلك بإﺣﺪﺍﺙ ﺑﺮﻟﻤﺎﻥ ﻣﺼﻐﺮ بالصحراء المغربية، إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ ﺣﻜﻮﻣﺔ ﺗﺪﺑﺮ ﺷؤونها، فنحن هنا ﺃﻣﺎﻡ حكم ذاتي في إطار جهوية موسعة.

حيث تستمد هاته الأخيرة أهميتها العلمية من التجربتين الإسبانية والإيطالية والمشروع المغربي للحكم الذاتي بالاستناد إلى مبادئ الديمقراطية وقواعدها وخصوصية المملكة المغربية الشريفة.

فاعل سياسي ومنتخب جهوي بمجلس جهة كلميم وادنون



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق