بين الرخص والعقوبات – مدار21

admin7 ديسمبر 2025آخر تحديث :
بين الرخص والعقوبات – مدار21


يشهد قطاع السمعي البصري والسينما في المغرب مرحلة جديدة من التنظيم بعد دخول القانون 18.23 حيز التنفيذ، وهو القانون الذي أعاد تحديد قواعد التصوير بشكل دقيق، وربط كل عملية تصوير بمساطر واضحة ورخص إلزامية تختلف بحسب طبيعة العمل والجهة المنجزة له. فالتصوير لم يعد نشاطاً مفتوحاً أو خاضعاً للاجتهاد، بل أصبح مجالاً مؤطراً بنص قانوني يحدد المسؤوليات ويضبط الممارسات داخل القطاع.

ينص القانون على أن تصوير أي فيلم سينمائي أو عمل سمعي بصري، مهما كانت دعامة إنتاجه أو غايته، يستوجب الحصول على رخصة تسلمها الإدارة المختصة، إضافة إلى رخصة خاصة بتحديد مواقع التصوير. هذا الإطار القانوني يشمل الأعمال الروائية والوثائقية والإشهارية والمحتويات الرقمية وكل ما ينجز بغرض النشر أو الاستغلال، فيما تستثنى الأعمال الشخصية غير الموجهة للاستعمال التجاري. كما وضع القانون تصاريح خاصة بمجالات أخرى، من بينها التصريح بالتصوير الذاتي الموجه لخدمة الصحافة الإلكترونية، والتصاريح المرتبطة بالأعمال المنجزة في إطار أنشطة الطلبة سواء تعلق الأمر بالأفلام السينمائية، الأعمال السمعية البصرية، أو الأعمال التطبيقية داخل المؤسسات التعليمية.

هذا التعدد في الرخص ليس إجراءً معقداً كما قد يتصوره البعض، بل هو وسيلة لضمان احترام الفضاءات العمومية، والحفاظ على صورة البلاد، وحماية المهنيين ومستخدمي القطاع، وضمان جودة الأعمال المنتجة. فالرخصة لا تُعد حاجزاً أمام الإبداع، بل أداة قانونية توفر الأمن المهني وتضمن شفافية المساطر وتحدد المسؤوليات بشكل واضح.

القانون لم يكتف بالتنظيم فقط، بل ربط كل إخلال بعقوبات دقيقة. فالتصوير بدون رخصة أو بدون إذن لتحديد المواقع يعرض صاحبه لغرامة تتراوح بين 300 ألف و500 ألف درهم. وتطال العقوبة نفسها كل من يغيّر في مضمون السيناريو بما يمس النظام العام أو ثوابت المملكة. كما يعاقب القانون كل مزاول لنشاط مهني داخل القطاع دون تصريح، بغرامات قد تصل إلى نصف مليون درهم. وتتضاعف العقوبات في حالة العود، في إشارة واضحة إلى رغبة المشرّع في إنهاء الفوضى وتعزيز ثقافة احترام القانون داخل المجال.

أحد الإشكالات التي بدأت تطفو على السطح اليوم هو الطريقة التي يتعامل بها البعض مع رخص التصوير. فهناك من يستعمل رخصة مشروع لتصوير مشروع آخر مختلف تماماً، أو يخلط بين الرخص المهنية والتصاريح الخاصة بالطلبة، أو يلجأ إلى التصوير الرقمي التجاري دون الحصول على أي إذن. هذه الممارسات لا تخرق القانون فقط، بل تُضعف القطاع وتخلق منافسة غير عادلة وتسيء لصورة المهنة ولجهود الشركات التي تشتغل وفق المساطر القانونية.

إن الرهان اليوم لا يتعلق بتشديد الرقابة فقط، بل بتكريس ثقافة قانونية داخل الوسط المهني وإقناع العاملين فيه بأن احترام المساطر ليس مجرد إجراء إداري، بل شرط أساسي لبناء قطاع قوي ومسؤول. فالتجارب الدولية أثبتت أن الصناعات السمعية البصرية المتقدمة تستند دائماً إلى منظومات قانونية صارمة تحمي الإبداع ولا تعرقله، وتضمن المنافسة الشريفة وجودة الإنتاج.

القانون 18.23 لا يستهدف تقليص هامش الحرية أو تقييد المبادرات، بل يسعى إلى توفير بيئة مهنية تحترم معايير السلامة والجودة وحقوق العاملين في القطاع. كما أنه يمنح للمهنيين إطاراً واضحاً لتثبيت أعمالهم وتقييد عقود الإنتاج والتوزيع داخل السجل الوطني للسينما، مما يضمن الاعتراف القانوني بالأعمال ويؤطر استغلالها على المدى الطويل.

إن مستقبل القطاع السمعي البصري في المغرب يرتبط اليوم بمدى قدرة الفاعلين على احترام القانون، وتجاوز الممارسات غير النظامية، والانتقال نحو رؤية مهنية تعتبر الرخص مسؤولية وليست عائقاً. القطاع يتطور، والبلاد تسعى إلى تعزيز مكانتها كوجهة تصوير دولية، وهذا لن يتحقق إلا حين تصبح الرخص جزءاً طبيعياً من عملية الإنتاج وليست خطوة تكميلية يتم التغاضي عنها. فالمهنة لا تزدهر بالفوضى، بل بالالتزام، والالتزام يبدأ من لحظة طلب الرخصة.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق