القوانين الانتخابية.. تجديد في الممارسة وترسيخ للخيار الديمقراطي

admin23 ديسمبر 2025آخر تحديث :
القوانين الانتخابية.. تجديد في الممارسة وترسيخ للخيار الديمقراطي


جاء خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش الأخير ليعيد ترتيب أولويات المرحلة، مؤكداً أن البناء الديمقراطي وترشيد الممارسة السياسية والانتخابية هو ركيزة أساسية من ركائز النموذج التنموي الجديد.

وفي هذا السياق دعا جلالته بوضوح إلى إعادة مراجعة القوانين الانتخابية وإخراج مدونة متكاملة، باعتبارها مدخلاً جوهرياً لتجديد الثقة بين المواطن والدولة و إعادة المصداقية للوساطة التمثيلية، من خلال ضمان استمرارية المؤسسات المنتخبة على أسس نزيهة وشفافة، وقيامها بوظائفها في التمثيل الشعبي والتنمية الوطنية والمحلية بكل ما تستدعيه من نجاعة وفعالية وجدوى.

وقد كانت هذه الدعوة الملكية السامية بمثابة منارة توجيهية أرست الإطار المرجعي للإصلاح، وأطلقت دينامية تشريعية جديدة أفضت إلى المصادقة على التعديلات الجديدة للقوانين الانتخابية، التي ليست إجراء تقنيا بل إصلاحا نسقيا يشكل خطوة نوعية في مسار تطوير الممارسة الديمقراطية الوطنية.

لقد تفاعلت الحكومة في شخص وزارة الداخلية والبرلمان، مع هذه التوجيهات الملكية السديدة، فباشرت المملكة إصلاحاً همّ المنظومة الانتخابية برمتها، من خلال مراجعة القوانين التنظيمية المتعلقة بمجلس النواب والأحزاب السياسية واللوائح الانتخابية العامة.

 وجاءت هذه المراجعة في سياق سياسي يطبعه الوعي الجماعي بضرورة تحصين الخيار الديمقراطي الذي نص عليه دستور 2011 كثابت من ثوابت الأمة، وجعله أكثر نجاعة وعدلا وتمثيلية.

 إن مصادقة البرلمان على هذه القوانين تعكس التقاء الإرادة الملكية السامية مع الإرادة التشريعية والسياسية في إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات، عبر منظومة قانونية تُعزز النزاهة وتكرّس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة.

وقد حرصت وزارة الداخلية، بصفتها الجهة المشرفة على تدبير العملية الانتخابية وضمان نزاهتها، على أن تُترجم هذه القوانين رؤيةً إصلاحية متكاملة تتأسس على الشفافية، والعدالة المجالية، والمسؤولية. فالإدارة الترابية، بما راكمته من خبرة وكفاءة، شكلت على الدوام ضمانةً لاستمرار العملية الديمقراطية، وحصناً مؤسساتياً يحمي المسار الانتخابي من الانحراف أو العبث، فهي بالطبع لا تنتج السياسة ولكنها تحمي شروط إنتاجها بما يضمن التوازن الدقيق بين منطقة الدولة ومنطق التنافس الديموقراطي السليم.

 إن وجود وزارة الداخلية بما تمثله من صرامة في الانضباط للقانون وحرصٍ على المصلحة العامة، خفّف من صدمة ضعف بعض النخب السياسية، إذ ضمنت انتظامية الانتخابات واستقرار المؤسسات حتى حين تعثّر أداء بعض المنتخبين عن مواكبة تطلعات المواطنين. لكن الوزارة، وهي تضطلع بهذا الدور، تُدرك في الآن ذاته أن نجاح التجربة الديمقراطية لا يُقاس بسلامة الإجراء فحسب، بل بقدرة النخب على الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، وتجسيد الثقة التي منحها المواطن عبر صناديق الاقتراع.

وفي هذا السياق، تُبرز القوانين الانتخابية الجديدة إرادة الدولة في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وتعزيز تمثيلية النساء والشباب، بما يجعل المؤسسات المنتخبة أكثر تنوعاً وعدلاً.

فقد تم اعتماد اللائحة الجهوية للنساء بديلاً عن اللائحة الوطنية، في توجه يراعي الإنصاف الترابي ويضمن حضوراً متوازناً للمرأة في مختلف الجهات.

 كما تم تيسير شروط المشاركة أمام الشباب، وتشجيع الأحزاب على إدماجهم في لوائحها الانتخابية.

 وهي خطوات تؤكد أن الإصلاح الانتخابي لم يكن مجرد تعديل قانوني، بل تحول حقوقي ينسجم مع المعايير الدستورية والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، وخاصة العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

وإلى جانب البعد الحقوقي، فقد ركّز الإصلاح الجديد على مكافحة الريع الانتخابي وضمان الشفافية المالية في الحملات. إذ تم تشديد ضوابط الإنفاق الانتخابي، وتوسيع صلاحيات المراقبة، وإقرار آليات رقمية للتتبع والتصريح بالمصاريف، تعزيزاً لثقة المواطن في نزاهة العملية برمتها. كما تم تبسيط المساطر الإدارية والرقمنة الكاملة للسجلات الانتخابية، ضماناً للولوجية وتيسيراً للمشاركة، مع احترام المعطيات الشخصية وخصوصية الناخبين.

ولم يغفل هذا الإصلاح كذلك أهمية العلاقة بين منطق الإدارة وواقع السياسة. فوزارة الداخلية، وهي تواكب تنزيل القوانين الجديدة، تعتبر أن توازن التجربة المغربية يقوم على تكامل هذين البعدين: إدارة قوية في انضباطها ونزاهتها، ونخب سياسية قوية في كفاءتها ومسؤوليتها. فالديمقراطية تُبنى على تفاعل مؤسساتي خلاق يجعل من الانتخابات أداةً لتوحيد الإرادة الوطنية حول الإصلاح والتنمية.

لقد أبان الخطاب الملكي عن وضوحٍ في الرؤية وقوة في الطرح، حين أكد أن المستقبل لا يمكن أن يُبنى بنخبٍ مترددة أو أحزابٍ مغلقة على نفسها. فالديمقراطية ليست صناديق اقتراع فقط، بل هي ثقافة ومسؤولية تبدأ من داخل الأحزاب نفسها.

 ومن هنا جاءت الدعوة الملكية لإصلاح المنظومة الانتخابية لتُحرّك المياه الراكدة، وتدفع الأحزاب إلى مراجعة ذواتها قبل أن تطالب الدولة بتغيير القوانين.

فضعف النخب وغياب الغيرة الوطنية لدى جزء من الطبقة السياسية أفرزا مشهداً حزبياً متكلساً ومؤسساتٍ فقدت جزءاً من مصداقيتها أمام الرأي العام، مما جعل كثيراً من الاحتجاجات الاجتماعية تُوجّه ضد ضعف المنتخبين أكثر مما تُوجّه ضد الدولة.

إن الانتخابات المقبلة هي امتحان لمدى نضج التجربة المغربية، وقدرتها على المواءمة بين استمرارية المؤسسات وتجديد النخب. فالمغرب اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، حبلى بالعديد من التحديات والرهانات الكبرى ، تتطلب برلماناً وازناً ونخبة سياسية تمتلك من الجرأة ما يكفي للتعبير عن تطلعات المواطن والانخراط في أوراش الإصلاح الكبرى من الطاقات المتجددة إلى العدالة الاجتماعية، ومن التنمية المستدامة إلى الاستثمار الإنتاجي.

وفي هذا السياق، تؤكد وزارة الداخلية أن نجاح العملية الانتخابية لا يتوقف على النصوص وحدها، بل على وعي الفاعلين بقدسية الثقة الشعبية، وعلى التزامهم بأخلاقيات الممارسة السياسية.

إن القوانين الانتخابية التي تمت المصادقة عليها تُجسد في جوهرها إرادةً ملكيةً سامية لتجديد الدماء في المؤسسات، وإرادةً إداريةً صلبة لصون نزاهة العملية، وإرادةً مجتمعيةً لبناء ديمقراطية مسؤولة تُقوّي ثقة المواطن في الدولة.

فبهذه التوليفة المتميزة بين القيادة الملكية، والحزم الإداري، والمسؤولية السياسية، يؤكد المغرب مرة أخرى أن الخيار الديمقراطي ليس شعاراً يُرفع، بل مساراً يُرسَّخ.

إن المملكة، وهي تواصل هذا الورش بتدرجٍ وثبات، تُعيد تعريف علاقتها بالمواطنة من خلال جعل الانتخابات تعبيراً عن إرادة الأمة، وتجعل من مدونة الانتخابات الجديدة مرآة لروح الديمقراطية المغربية كما أرادها جلالة الملك: ديمقراطية مسؤولة، متوازنة، نزيهة، ومواطنة.

إنه، ببساطة، ورش يشكل امتدادا لفلسفة ملكية ثابتة تعتبر أن الانتخابات ليست غاية في ذاتها، بل آلية لإنتاج مؤسسات قوية وشرعية.

لقد قامت الدولة إذن بدورها كاملا:  توجيها ملكيا واضحا، وتأطيرا دستوريا صلبا، وتنزيلا إداريا صارما ومحايدا، ولم يعد مقبولا، بعد اليوم، أن يختزل ضعف الممارسة السياسية في القوانين أو في الإدارة الترابية، فالتحدي الحقيقي أصبح تحدي النخب الحزبية ذاتها، وقدرتها على الارتقاء إلى مستوى مكانتها وأدوارهاالدستورية الهامة، وتحويل الشرعية الانتخابية إلى  فعل تنموي حقيقي وتأطير مستدام للمواطنين ومسؤولية سياسية وأخلاقية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق