نفي تبون أي تدخل عسكري جزائري في الأراضي التونسية يفتح نقاشا واسعا حول حدود السيادة في عهد سعيّد.. ما الذي يمنعُ كشفَ تفاصيل الاتفاق الدفاعي؟

admin31 ديسمبر 2025آخر تحديث :
نفي تبون أي تدخل عسكري جزائري في الأراضي التونسية يفتح نقاشا واسعا حول حدود السيادة في عهد سعيّد.. ما الذي يمنعُ كشفَ تفاصيل الاتفاق الدفاعي؟


في خضم الجدل المتصاعد الذي رافق تسريب وثائق غير موقعة نُسبت إلى اتفاق التعاون الدفاعي بين تونس والجزائر، خرج الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بخطاب حمل رسائل تتجاوز ظاهر النفي، لتلامس عمق السجال السياسي والإعلامي الذي انفجر في تونس، وامتد صداه إقليميا، وهو خطاب، بدا كمحاولة لوضع حدود لما وصفه تبون بـ”التأويلات المغرضة”، في وقت بات فيه الاتفاق العسكري عنوانا لنقاش سيادي حاد داخل الساحة التونسية.

تبون نفى بشكل قاطع أمام برلمان بلاده أي دخول للجيش الجزائري إلى الأراضي التونسية، مشددا على أن المؤسسة العسكرية الجزائرية لم تتدخل يوما في الشأن الداخلي لتونس “مثقال ذرة”، في صيغة لغوية تعكس حساسية الموضوع وحدّة تداعياته، وهو النفي الذي لم يأت من فراغ، بل جاء نتيجة مباشرة لعودة ملف الاتفاق الأمني إلى الواجهة بعد تداول معطيات تفصيلية عن بنوده المفترضة، تتحدث عن إمكانيات تدخل عسكري جزائري داخل التراب التونسي، ما أحدث صدمة في الرأي العام التونسي وأعاد طرح أسئلة قديمة جديدة حول السيادة والقرار الوطني.

في المقابل، اختارت السلطات التونسية التعامل مع التسريبات من زاوية النفي والتشكيك، ووصفت الوثائق المتداولة بالمزورة، دون أن تُقدِم على نشر النص الكامل للاتفاقية أو توضيح مضمونها التنفيذي، وهو الخيار، الذي بررته أطراف رسمية تونسية بدواع تتعلق بسرية الاتفاقات الدفاعية، فتح الباب واسعا أمام التأويلات، وعمّق حالة الارتياب، ليس فقط لدى المعارضة، بل أيضا لدى شرائح واسعة من الرأي العام التونسي، التي رأت أن غياب المعلومة الرسمية هو الوقود الأساسي لاستمرار الجدل.

اللافت في هذا السياق أن الخطاب الرسمي في كل من الجزائر وتونس اتجه، بشكل متوازٍ، إلى تأطير النقاش ضمن سردية “المؤامرة الخارجية”، والتحذير من أطراف إقليمية ودولية تسعى، بحسب هذا الخطاب، إلى ضرب العلاقة الأخوية بين البلدين وزرع الشكوك بين شعبيهما، حيث تحدث تبون صراحة عن “محاولات زرع الفتنة” وتفكيك الرابطة الجزائرية التونسية، بينما ذهبت تصريحات تونسية إلى اتهام خصوم الداخل بالارتهان لأجندات خارجية وتوظيف الملف لإرباك الدولة.

غير أن هذا التوجه، رغم قدرته على حشد الخطاب السيادي، لم ينجح في تهدئة السجال، بل ساهم في نقله من نقاش قانوني ومؤسساتي حول مضمون اتفاق دفاعي، إلى معركة سرديات تتداخل فيها الوطنية بالتخوين، وتختلط فيها المخاوف المشروعة بالاصطفافات السياسية، فالمعارضة التونسية، ومعها منظمات مدنية، لم تطالب بإلغاء الاتفاق أو قطع التعاون مع الجزائر، بقدر ما ركزت على مطلب واحد يتعلق بنشر النص الكامل للاتفاقية وتمكين الرأي العام من الاطلاع على بنودها، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لقطع الطريق على الإشاعات ووضع حد للتأويلات.

وفي هذا الإطار، يبدو أن تمسك تونس بعدم نشر مضمون الاتفاق، رغم اتساع دائرة الجدل، يعكس معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الحكم بعد 2021، وغياب قنوات النقاش المؤسساتي، خاصة في ظل حل البرلمان وتراجع آليات الرقابة، وهو ما يجعل أي ملف سيادي، مهما كانت طبيعته، عرضة للانفجار السياسي بمجرد تسرب معطيات غير رسمية عنه.

وكانت “حركة حق”، وهي ائتلاف يضم أحزابا ونشطاء معارضين من تونس، قد أصدرت بيانا عبّرت فيه عن قلقها مما اعتبرته فراغا اتصاليا فتح المجال أمام الإشاعات والتشكيك، معتبرة أن الجدل المتصاعد يعكس، في جوهره، يقظة مجتمعية وحرصا على المصالح التونسية، بقدر ما يكشف هشاشة إدارة التواصل الرسمي في الملفات ذات الحساسية السيادية.

الحركة رأت أن غياب نشر النص الكامل للاتفاقية، التي أُعلن عن توقيعها رسميًا بين وزارتي دفاع تونس والجزائر، جعل النقاش العام رهين تسريبات غير مثبتة، بعضها ذهب إلى الحديث عن ترتيبات عسكرية تتعلق بإمكانية تدخل قوات جزائرية داخل الأراضي التونسية، وهي معطيات لم يصدر بشأنها أي تأكيد أو نفي رسمي حتى الآن، ما ساهم في تعميق الانقسام وإرباك الرأي العام.

وانطلاقا من هذا التشخيص، دعت “حركة حق” إلى عرض بنود الاتفاقية على الرأي العام والجهات المختصة، معتبرة أن نشر النص الرسمي يظل الإجراء الوحيد القادر على وضع حد للتأويلات المتضاربة وتفنيد المعطيات المغلوطة، ومؤكدة أن الشعب، باعتباره مصدر السيادة، يظل المعني الأول بأي التزامات استراتيجية قد ترهن حاضر البلاد ومستقبلها.

وفي قراءة ذات بعد سياسي أوسع، شددت الحركة على أن متانة أي نظام سياسي لا تُقاس فقط بقدرة مؤسساته على عقد اتفاقيات إقليمية أو دولية، بل بمدى تجذّر شرعيته داخليا، محذّرة من أن التعويل المفرط على التوازنات الخارجية، مهما بلغت أهميتها الاستراتيجية، لا يمكن أن يكون بديلا عن التماسك الوطني والوضوح في إدارة الملفات السيادية.

ورغم ذلك، حرصت الحركة على التأكيد أن علاقات تونس بالجزائر تظل، من حيث المبدأ، علاقات استراتيجية، تقوم على التاريخ المشترك والمصالح المتبادلة، غير أن استدامة هذه العلاقات، بحسبها، تقتضي وضوح الاتفاقيات ونزاهتها واحترام السيادة الوطنية لكل طرف، مع تحميل كل من يتولى مسؤولية عامة واجب اليقظة في التعامل مع القضايا المصيرية.

ويأتي هذا الجدل في وقت كانت فيه وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت، في بيان سابق بتاريخ 7 أكتوبر 2025، عن توقيع اتفاق حكومي مشترك للتعاون في مجال الدفاع خلال زيارة عمل أداها وزير الدفاع التونسي إلى الجزائر، ووصفت الاتفاق آنذاك بأنه محطة مفصلية في مسار تعزيز العلاقات العسكرية الثنائية، دون أن تُنشر تفاصيل بنوده أو نطاقه التنفيذي.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق