في قارةٍ تتقاطع فيها الأحلام مع الأزمات، وتتشابك فيها طموحات الشباب مع واقع الهشاشة، تظل كرة القدم إحدى اللغات القليلة القادرة على جمع ما فرّقته السياسة والحدود. فوسط أصوات الجماهير ووهج المدرجات، يبرز سؤال عميق: هل يمكن لهذه اللعبة البسيطة أن تتحول إلى أداة وقائية في مواجهة التطرف العنيف الذي يهدد بقاع واسعة من إفريقيا؟
فبعيدا عن سحر الأهداف وهتافات الانتصار، تعيش القارة الإفريقية واقعًا مركبًا، تتداخل فيه التحديات الأمنية مع أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة. ففي مناطق الساحل وغرب إفريقيا والقرن الإفريقي، تتغذى الجماعات المتطرفة على الفقر، والتهميش، وانعدام الفرص، وضعف الثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، لا يُولد التطرف فجأة، بل ينمو تدريجيًا في بيئات تشعر بالإقصاء وفقدان المعنى.
وسط هذا المشهد المعقّد، تبرز كرة القدم كأحد الفضاءات القليلة التي ما تزال قادرة على خلق شعور بالانتماء الجماعي، وتوفير متنفس نفسي واجتماعي للشباب. فهي ليست مجرد لعبة، بل لغة رمزية تتجاوز الانقسامات العرقية والسياسية والدينية، وتمنح الأفراد شعورًا مؤقتًا بالكرامة والانتماء والاعتراف.
إن الحديث عن الرياضة بوصفها أداة للوقاية من التطرف لا يعني تحميلها ما لا تحتمل، ولا تقديمها كبديل للسياسات العمومية أو للإصلاحات البنيوية العميقة. غير أنها، في المقابل، تشكّل فضاءً اجتماعيًا قادرًا على امتصاص التوترات، وبناء روابط إيجابية، وإعادة توجيه طاقات الشباب نحو مسارات أقل عنفًا وأكثر اندماجًا.
ففي كثير من السياقات الإفريقية، يصبح الملعب بديلاً عن الشارع، والانخراط في فريق رياضي بديلاً عن الانتماء إلى جماعات متطرفة تستثمر في الإحباط والغضب.
غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل تعكس الدول المشاركة في كأس إفريقيا تفاوتًا حقيقيًا في مستويات التهديد الإرهابي؟
الواقع يُظهر تباينًا واضحًا؛ فبينما تعاني دول مثل مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا من تصاعد التهديدات المرتبطة بالجماعات المتطرفة، تتمتع دول أخرى، كالمغرب والسنغال، بهوامش أكبر من الاستقرار، بفضل استثمارات طويلة الأمد في الإنسان، والتعليم، والسياسات الوقائية التي تربط الأمن بالتنمية.
ومع ذلك، فإن المشاركة في كأس إفريقيا لا تعني بالضرورة الاستقرار الكامل، كما أن الغياب عنها لا يعني حتمًا الانهيار الأمني. فالأمر يتجاوز حدود المنافسة الرياضية ليعكس قدرة الدول على توظيف الرياضة ضمن رؤية شمولية لبناء التماسك الاجتماعي. بعض الدول نجحت، رغم محدودية مواردها، في تحويل الرياضة إلى أداة لتعزيز الانسجام المجتمعي، بينما ظلت دول أخرى حبيسة مقاربات أمنية ضيقة لم تنجح في معالجة الجذور العميقة للتطرف.
من هنا، يبرز تساؤل جوهري آخر: هل يمكن للرياضة أن تتحول إلى سياسة وقائية حقيقية؟
الجواب ليس بسيطًا، لكنه يميل إلى الإيجاب حين تُدرج الرياضة ضمن مشروع مجتمعي شامل يربط بين التعليم، والثقافة، والتشغيل، والمشاركة المدنية. فالرياضة لا تعوّض غياب العدالة الاجتماعية، ولا تُصلح وحدها اختلالات الحكامة، لكنها تصبح أداة فعّالة حين تُدمج في رؤية متكاملة لبناء الإنسان.
وفي هذا السياق، يبرز النموذج المغربي بوصفه تجربة تستحق التأمل. فقد استطاع المغرب، خلال السنوات الأخيرة، الاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وتطوير منظومة تكوين الشباب، وتحويل الرياضة إلى رافعة للاندماج الاجتماعي والدبلوماسية الناعمة. ولم يعد الرهان محصورًا في حصد الألقاب، بل في بناء صورة دولة قادرة على توظيف الرياضة لتعزيز الثقة داخليًا وخارجيًا.
كما أن المدرسة الكروية المغربية تمثل نموذجًا قابلًا للتقاسم إفريقيًا، ليس من باب الوصاية، بل من منطلق الشراكة جنوب–جنوب. فهي تقوم على تكوين الإنسان قبل اللاعب، وعلى غرس قيم الانضباط والمسؤولية والعمل الجماعي، وهي عناصر تشكّل جوهر الوقاية من الانزلاق نحو التطرف. فحين يجد الشاب فضاءً يحتضن طاقاته ويعترف بقدراته، تتراجع قابلية استقطابه من قبل خطاب العنف.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التأكيد على أن الرياضة لا يمكن أن تعوّض غياب الإصلاحات السياسية والاجتماعية العميقة، ولا أن تحل محل العدالة الاجتماعية أو التنمية المستدامة. لكنها تظل عنصرًا مكمّلًا في أي مقاربة شمولية لمكافحة التطرف العنيف، حين تُوظف بذكاء وتُربط بمشاريع تنموية حقيقية.
يمكننا القول إن الرياضة لا تنهي التطرف، لكنها تُضعف روافده، وتفتح نوافذ أمل في مجتمعات أنهكها الخوف والتهميش. ففي مدرجات الملاعب، وبين أصوات الجماهير وأحلام الشباب، تتشكل مقاومة هادئة للتطرف، قوامها الانتماء بدل الإقصاء، والحياة بدل العنف، والمستقبل بدل اليأس.
دكتورة في القانون العام والعلوم السياسية وباحثة بالمرصد المغربي حول التطرف والعنف-
