المغرب في المرحلة النهائية لتحيين مقترح الحكم الذاتي للصحراء وسط دعم دولي متزايد ومناخ أممي جديد

admin8 يناير 2026آخر تحديث :
المغرب في المرحلة النهائية لتحيين مقترح الحكم الذاتي للصحراء وسط دعم دولي متزايد ومناخ أممي جديد


في لحظة سياسية ودبلوماسية دقيقة، تتقاطع فيها التحولات الأممية مع إعادة ترتيب موازين الدعم الدولي، يواصل المغرب الاشتغال على أحد أكثر ملفاته الاستراتيجية حساسية، منكبّا على تحيين مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به لتسوية نزاع الصحراء، في مسار ينسجم بشكل مباشر مع القرار الأممي رقم 2797، الذي كرّسه مجلس الأمن باعتباره المرجعية الوحيدة لأي حل سياسي واقعي للنزاع، وهو التحرك الذي يتغذى من تراكمات دبلوماسية داخلية وخارجية، ومن قراءة دقيقة لموازين القوى داخل مجلس الأمن، ومن إدراك بأن اللحظة الراهنة قد تكون الأكثر قابلية منذ سنوات لإحداث اختراق فعلي في مسار ظل عالقا لعقود.

المعطيات تشير إلى أن الرباط دخلت بالفعل المرحلة النهائية من بلورة نسخة محيّنة من مبادرة الحكم الذاتي، وذلك بعد مرور أزيد من شهرين على الاجتماع رفيع المستوى الذي انعقد في العاشر من نونبر الماضي، تحت إشراف مستشاري الملك، وبمشاركة قيادات الأحزاب السياسية المغربية، وهو الاجتماع، الذي حمل دلالات سياسية قوية، عكس حرص الدولة على توسيع قاعدة الإجماع الداخلي حول المقترح، وتحصينه سياسيا ومؤسساتيا، في أفق تقديمه بصيغة أكثر تكيفا مع التحولات الدولية ومع مقتضيات القرار الأممي الأخير.

ووفق ما أوردته مجلة “أفريكا إنتلجنس”المتخصصة في الشؤون الإفريقية، فإن عملية تحيين المقترح لا تتم في فراغ، بل في إطار مشاورات دبلوماسية مكثفة مع شركاء أساسيين، في مقدمتهم فرنسا والمملكة المتحدة، إلى جانب دول أخرى تُصنف ضمن الداعمين التقليديين للمبادرة المغربية. 

هذا الانخراط المباشر لقوى وازنة داخل مجلس الأمن – بحسب المصدر ذاته -يعكس، من جهة، حجم الرهان الموضوع على الصيغة الجديدة، ومن جهة ثانية، رغبة هذه الأطراف في مواكبة بلورة حل نهائي يتجاوز منطق إدارة الأزمة نحو منطق التسوية.

القرار الأممي رقم 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، شكّل نقطة تحول لافتة في تعاطي الأمم المتحدة مع النزاع، إذ تجاوز عمليًا الصيغ الرمادية التي ميّزت قرارات سابقة، واعترف صراحة بالمبادرة المغربية كأساس وحيد للمفاوضات، حيث أن هذا التحول لم يكن تقنيًا أو لغويا فحسب، بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة مفادها أن المجتمع الدولي لم يعد يرى في الطروحات التقليدية، وعلى رأسها خيار الاستفتاء، أفقا قابلا للتنزيل. 

وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة كلاعب محوري في المرحلة المقبلة. فبحسب “أفريكا إنتلجنس”، فإن واشنطن، التي قادت صياغة القرار 2797، تستعد للاضطلاع بدور مركزي في إدارة المسار التفاوضي المنتظر، سواء عبر إعادة تكييف دور بعثة “المينورسو” أو من خلال آليات بديلة، حيث يُفهم من هذا التوجه أن الولايات المتحدة تميل إلى تقليص الدور العملي للبعثة الأممية، خاصة في ظل ما تعرفه من صعوبات مالية، وتخفيضات في الميزانية، وتسريح عدد من مسؤوليها خلال الفترة الأخيرة.

وتكتسي تصريحات السفير الأمريكي الجديد لدى المغرب، ريتشارد دوك بوكان، دلالة خاصة في هذا السياق، إذ عبّر بوضوح عن رغبته في تحقيق تقدم ملموس في ملف الصحراء خلال فترة ولايته، ملمّحًا إلى احتمال إنهاء مهمة البعثة الأممية قبل انقضاء ولايتها الحالية، في حال تم إطلاق مسار تفاوضي جدي وفعّال، وهي الإشارات التي تعزز فرضية أن واشنطن لا تكتفي بدور الراعي السياسي، بل تسعى إلى لعب دور المُيسّر المباشر لتسوية نهائية.

ووفق المجلة ذاتها، فإن تقديم المغرب لنسخته المحدّثة من خطة الحكم الذاتي قد يفتح الباب أمام مفاوضات ثلاثية محتملة، تقودها الولايات المتحدة، وتضم المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، بإشراف شخصيات أمريكية وازنة، من بينها ستيف ويتكوف ومسعد بولوس، وبدعم من جاريد كوشنر، هذا السيناريو، إن تحقق، سيعيد ترتيب قواعد اللعبة التفاوضية، ويضع الجزائر أمام اختبار سياسي ودبلوماسي مباشر، خاصة في ظل إصرار الرباط على اعتبارها طرفا رئيسيا في النزاع، وليس مجرد “بلد جار”.

الموقف المغربي، كما ينقله التقرير، يظل ثابتًا في هذا الصدد، إذ تؤكد الرباط أن أي مسار تفاوضي جاد يظل ناقصا دون انخراط الجزائر بشكل مباشر، معتبرة أن استمرار رفضها المشاركة في آلية “الموائد المستديرة” التي أقرتها الأمم المتحدة لا ينسجم مع منطق الحل، ولا مع مسؤولياتها الإقليمية، وفي المقابل، يبدو أن الضغوط الدولية مرشحة للتصاعد، خاصة مع تغير البيئة الأممية المحيطة بالملف.

جدير بالذكر، أن التركيبة الجديدة لمجلس الأمن الدولي، التي دخلت حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح يناير 2026، بانضمام خمسة أعضاء غير دائمين هم البحرين، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، ولاتفيا، وكولومبيا، تحمل أهمية خاصة للمغرب، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث نوعية المواقف، إذ إن ثلاث دول من الأعضاء الجدد، وهي البحرين والكونغو الديمقراطية وليبيريا، تعترف صراحة بسيادة المغرب على الصحراء، وجسدت هذا الموقف عمليا من خلال افتتاح قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة.

ويعزز هذا المعطى الرصيد الدبلوماسي المغربي داخل مجلس الأمن، ويوفر هامشًا أوسع للدفاع عن المبادرة المغربية، ولضمان استمرار الزخم الذي أفرزته القرارات الأممية الأخيرة، كما يشكل عنصر ضغط إضافي لدفع أطراف النزاع نحو الانخراط في مفاوضات جادة، في ظل دعم ثلاث دول دائمة العضوية داخل المجلس لمقترح الحكم الذاتي، مقابل تحفظات محدودة لدول أخرى لم تحسم موقفها بشكل نهائي.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق