منع تصدير السردين المجمّد ابتداء من فبراير.. هل هذا القرار سيكبح الغلاء أم يفتح أزمة ثقة مع الزبناء الدوليين ويهدد وظائف ساحلية بعقود بمليارات الدراهم؟

admin9 يناير 2026آخر تحديث :
منع تصدير السردين المجمّد ابتداء من فبراير.. هل هذا القرار سيكبح الغلاء أم يفتح أزمة ثقة مع الزبناء الدوليين ويهدد وظائف ساحلية بعقود بمليارات الدراهم؟


قرر المغرب منع تصدير السردين المجمّد ابتداء من فاتح فبراير، في إجراء تقول الحكومة إنه يرمي إلى تعزيز تموين السوق الداخلية وضبط الأسعار وسط جدل متصاعد حول فعالية هذا القرار وحدوده في كبح المضاربة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

ويأتي قرار المغرب منع تصدير السردين المجمّد ابتداء من فاتح فبراير في سياق اجتماعي واقتصادي بالغ الحساسية، حيث تحوّل ارتفاع أسعار السمك إلى عنوان متكرر في النقاش العمومي ومؤشر على اختلالات أعمق داخل سلسلة الصيد والتسويق.

القرار، الذي أعلنت عنه زكية الدريوش كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب ربطته مباشرة بإشكالية تموين السوق الداخلية، مؤكدة أن “منع تصدير السردين المجمّد سيساهم في تعزيز العرض داخل الأسواق الوطنية، والحفاظ على الأسعار في مستويات مقبولة” خصوصا في فترة تعرف ضغطا استثنائيا على الطلب موردة أن الحكومة “تتابع تطور الأسعار بشكل يومي، وتتحرك كلما اقتضت الضرورة لضمان توازن السوق”.

غير أن المسؤولة الحكومية حرصت في الآن ذاته، على نزع الطابع الشعبوي عن القرار مؤكدة أن الأسعار “تخضع لمنطق العرض والطلب” وأن ما يلاحظ اليوم هو نتيجة تراكب عدة عوامل موضوعية.

وقالت في هذا السياق: “علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الظروف المناخية، وكلفة الخروج إلى البحر وسلسلة التبريد إضافة إلى هوامش الوسطاء وباعة التقسيط” معتبرة أن هذه العناصر مجتمعة تفسر جزءا كبيرا من الارتفاع المسجل في بعض الفترات.

لكن خطاب الدريوش، حمل بين سطوره اعترافا ضمنيا بوجود اختلالات في مسالك التسويق إذ شددت على أن الحكومة تشتغل “بتنسيق وثيق مع السلطات المختصة لضبط الأسعار ومحاربة كل أشكال الممارسات غير القانونية والمضاربة” في إشارة إلى أدوار الوسطاء غير المنظمين الذين يتحكمون في جزء كبير من انتقال المنتوج من الموانئ إلى الأسواق، ويرفعون الأسعار دون مبرر مرتبط بالكلفة الحقيقية.

وفي محاولة لاستباق الجدل المرتبط بشهر رمضان، أعلنت كاتبة الدولة عن “إجراءات خاصة سيتم تفعيلها خلال هذا الشهر لضمان تزويد السوق المحلية بالسمك المجمّد” مؤكدة أن الهدف هو تفادي الاختلالات التي تتكرر سنويا خلال هذه الفترة وقالت: “نحن واعون بأن رمضان يشكل ضغطا إضافيا على الطلب، ولذلك نشتغل بمنطق استباقي، حتى لا يتحول السمك إلى مادة نادرة أو مرتفعة الثمن بشكل غير مبرر”

غير أن القرار لا يندرج بحسب الخطاب الرسمي، في منطق الظرفية وحدها، بل في إطار رؤية أوسع لإعادة ترتيب قطاع الصيد البحري فقد شددت الدريوش على أن الحكومة تعمل على “إرساء استراتيجية تقوم أساسا على استدامة المصايد” موضحة أن ذلك يمر عبر الحفاظ على الثروة السمكية، وتعزيز آليات المراقبة واحترام فترات الراحة البيولوجية، إلى جانب تطوير بنيات التسويق وتأهيل الأسواق المحلية لبيع الأسماك.

وهذا البعد الاستراتيجي يكتسي أهمية خاصة، في ظل تزايد التحذيرات من الضغط المفرط على بعض الأنواع السمكية وفي مقدمتها السردين، الذي يُعد من أكثر الأسماك استهلاكا وتصديرا فالمنع المؤقت للتصدير، وفق هذا المنطق، يقرأ كآلية لإعادة التوازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على المورد.

في المقابل، يثير القرار تساؤلات داخل أوساط المهنيين، خصوصا المصدرين ووحدات التجميد، الذين يرون أن التصدير يشكّل ركيزة أساسية لاقتصاد القطاع، ومصدرا لجلب العملة الصعبة فبعضهم يعتبر أن “المنع قد يخفف الضغط على السوق مؤقتا، لكنه لا يعالج أصل المشكل المتمثل في تعدد الوسطاء وغياب الشفافية في تسعير السمك” وآخرون يحذّرون من أن “استمرار المنع لفترة طويلة قد يؤثر على مناصب الشغل وعلى تنافسية الوحدات الصناعية”

وفي هذا الإطار، أوضح لـ “الصحيفة” مصدر مهني في مجال تصدير وتثمين المنتجات البحرية فضل عدم الكشف عن هويته أن الصيد البحري يدرّ على الاقتصاد الوطني ما بين 25 و30 مليار درهم سنويا من عائدات التصدير، ويُمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة بعد الفوسفاط والصناعات التحويلية موردا أن “وحدات التجميد والتصبير وحدها تُشغّل بشكل مباشر وغير مباشر أكثر من 200 ألف منصب شغل أغلبها في مناطق ساحلية تعتمد كليا على استمرارية التصدير”

وأبرز المتحدث ضمن التصريح ذاته أن “الأسواق الخارجية تستوعب ما يفوق 60 في المائة من الإنتاج الموجّه للتثمين الصناعي، خصوصا في ما يتعلق بالأسماك السطحية المجمّدة، حيث يرتبط نشاط الوحدات الصناعية بعقود تصدير تمتد أحيانا لستة أشهر أو سنة وبالتالي أي توقف مفاجئ أو مطوّل يترجم فورا إلى خسائر مالية مباشرة، وتعطيل لسلاسل الإنتاج، وتهديد للاستقرار الاجتماعي في مناطق بكاملها”.

ويؤكد المصدر ذاته أن “تجارب سابقة أظهرت أن منع التصدير لا يؤدي بالضرورة إلى خفض دائم للأسعار داخل السوق الوطنية ففي فترات سابقة، ورغم ارتفاع العرض المحلي، ظلت الأثمان مرتفعة بسبب استمرار المضاربة داخل أسواق الجملة، حيث يُعاد بيع السمك بهوامش تصل أحيانا إلى 40 و50 في المائة بين نقطة التفريغ ونقطة البيع النهائي”.

وشدد المتحدث، على أن “الإشكال ليس في تصدير السمك بل في كيفية توزيعه وتسويقه داخليا دون إصلاح مسار التسويق وفرض الشفافية والفوترة وربط الأسعار بالكلفة الحقيقية فإن أي قرار بالمنع سيبقى مكلفا اقتصاديا محدود الأثر اجتماعيا، وسريع الزوال من حيث النتائج”.

من جانبه، يرى محمد الغازي وهو صاحب مصنع لتصدير الأسماك المجمدة بنواحي مدينة أكادير أن “الرهان الحكومي على المنع كأداة لضبط الأسعار يختزل أزمة مركبة في قرار إداري ظرفي” معتبرا أن “التصدير لا يمثل فقط منفذا لتصريف الفائض بل هو عنصر توازن للسلسلة برمتها لأن الوحدات الصناعية والمراكب والتعاونيات بُنيت استثماريا على منطق الأسواق الخارجية حين يُغلق هذا المنفذ دون إصلاحات موازية تنتقل الاختلالات من السوق الدولية إلى السوق الداخلية بدل أن تُعالج من جذورها”

ويضيف الغازي، ضمن التصريح ذاته الذي خص به “الصحيفة” أن “جوهر الأزمة ليس في حجم الصادرات بل في طريقة تشكل الأثمان داخل السوق الوطنية حيث يظل تعدد الوسطاء وغياب الشفافية في أسواق الجملة عاملين حاسمين في تضخيم الأسعار بغض النظر عن مستوى العرض لذلك، فإن أي أثر إيجابي محتمل للمنع يظل محدودا زمنيا وسريع التبخر ما لم تُفعل آليات تتبع ومساطر مراقبة صارمة”.

من جهته، يذهب مسيّر وحدة صناعية للتجميد تواصلت معه “الصحيفة” إلى أن “القرار يضع الوحدات أمام معادلة صعبة لأن التجميد والتوضيب والتصدير ليست أنشطة منفصلة بل حلقات مترابطة داخل نموذج اقتصادي واحد واستمرار المنع لفترة ممتدة يهدد بتعطيل خطوط الإنتاج، ويجعل الحفاظ على مناصب الشغل تحديا حقيقيا، خصوصا في الوحدات التي تعتمد بنسبة كبيرة على الطلبيات الخارجية والعقود المسبقة”.

ويوضح المتحدث أن “تنافسية الوحدات المغربية بُنيت على الاستقرار في التوريد والالتزام بالآجال وأي ارتباك في القرار العمومي يُترجم فورا إلى فقدان الثقة لدى الزبناء الدوليين، وهو ما لا يُقاس فقط بخسائر آنية، بل بتراجع موقع المغرب داخل سلاسل القيمة العالمية للمنتجات البحرية”.

ويكشف منع تصدير السردين المجمّد عن حدود المقاربة التقليدية لتدبير سوق السمك في المغرب فهو ينجح على الأرجح، في رفع العرض داخليا على المدى القصير، لكنه يعيد في العمق طرح سؤال الإصلاح البنيوي لسلسلة الصيد والتسويق كيف يمكن ضمان سمك متوفر وبأسعار معقولة دون التضحية باستدامة المورد أو توازنات القطاع؟.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق