دروس “الكان”.. حينما لا يُغتفر النجاح!

admin20 يناير 2026آخر تحديث :
دروس “الكان”.. حينما لا يُغتفر النجاح!


أُسدل الستار أخيرا عن نسخة كأس إفريقيا للأمم المغرب 2025 بسيناريو دراماتيكي غير مسبوق، سيجعل هذه النسخة موشومة في الذاكرة الإفريقية والعالمية، بحبر النجاح التنظيمي الباهر والمنافسة القوية من جهة، لكن أيضا بحجم الخبث والتآمر والأخبار المضللة التي رافقتها تجاه البلد المنظم، حتى أصبح فوزه بمقابلة كرة قدم، بعرق ودماء لاعبيه، خطيئة لا تغتفر وجُرما يرتقي إلى الكبائر، في منطق لا يمت بصلة للروح الرياضية.

وبعد تجرع مرارة فقدان اللقب القاري، الغائب عن خزائن البلاد منذ ما يناهز نصف قرن، لا بد من استخلاص الدروس والعبر التي رافقت هذه التظاهرة، خاصة في زمن انمحت فيه الحدود الفاصلة بين السياسة والرياضة، وصارت الحقائق متشابهة مع الأراجيف، وباتت فيه سمعة البلدان تحت رحمة عصابات البروباغندا المخدومة وتجار “اللايكات” عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

يشهد كل من يملك ذرة من المروءة والصدق مع الذات أن المغرب قدم لإفريقيا النسخة الأجمل من هذه التظاهرة الرياضية، التي توحد قلوب شعوب القارة السمراء، ابتداء من حفاوة الاستقبال مرورا إلى جودة البنيات التحتية والملاعب الرياضية العالمية والفنادق المصنفة، وصولا إلى الحضن المغربي الدافئ الذي احتضن جميع الزوار، حتى أولئك الذين جاءوا إلى أرضنا بنيات مبيتة.

المغرب قدم للعالم صورة مغايرة عن إفريقيا، التي رُبطت في مخيال الإنسان الأبيض بالتخلف والفقر والحروب والانقلابات والأوبئة وهلمجرا من المصائب. قدمت المملكة إفريقيا كقارة واعدة قادرة على المنافسة على جميع الأصعدة، وأنها لا تفتقر إلى أي من مقومات التفوق والنجاح متى توفرت الإرادة؛ إرادة الحكام والمحكومين.

مرضى النفوس الذين سعوا إلى تخريب هذا العرس القاري انقلب كيدهم إلى نحورهم، ليتمكن المغرب في الأخير من إنجاح التظاهرة رغم الحملات المسعورة التي تكسرت على صخرة الواقع، وذلك عبر جهود المسؤولين والمنظمين ومختلف الأجهزة الأمنية التي سهرت على مرور المحفل القاري في أنضج الشروط، رغم بروباغندا الشحن والتجييش التي كادت تسفر كارثة في نهائي “الكان” لولا انضباط الجماهير المغربية وحسها الرياضي والإنساني الكبير.

اتضح أخيرا أن المغرب الذي اتهم، حتى قبل انطلاق المنافسة، بالكولسة في أروقة “الكاف” ورشوة الحكام وغيرها من الأباطيل، كان عرضة لواحدة من أخبث حملات الكولسة التي كلفته عدم الفوز بلقب كان أقرب إليه أكثر من أي وقت مضى.

ولم يحدث في تاريخ المستديرة أن تعرض بلد منظم لهذا الحجم من الابتزاز العلني، تحت عنوان: “امنحني اللقب وإلا فأنت فاسد”، علما أنه بلد منتخبه مدجج بالنجوم ويتصدر القارة والعرب كرويا منذ سنوات ويحتل الرتبة الثامنة في التصنيف العالمي وكان رابع العالم في آخر مونديال، ما يجعل أي نجاح يحققه أمرا بديهيا.

في البداية، كانت حملة التشويش مفهومة، خاصة وأنها صدرت عن “جيران السوء”، الذي نحسن إليهم في كل مناسبة فلا يباذلوننا إلا الحقد المجاني والعداء، الذي تغلغل في القلوب إلى درجة بات فيها الإخفاق المغربي مصدر احتفالات جماهيرية في واحدة من أكثر صور التخلف، ومرة أخرى تحت شعار: “كن فاشلا مثلي وإلا حاربتك!”.

غير أن هذه الحملة امتدت فيما بعد لتشمل مدربين خلطوا بين تبرير فشلهم الكروي على المستطيل والإساءة المجانية للبلد المنظم، بالحديث عن النقل وعن جودة الفنادق وبعد المسافة بين المدن، وهو ما تكذبه المعطيات الميدانية والمقارنات مع النسخ السابقة.

لتتوج الحملة أخيرا بواحدة من أحط وأقذر صور بشاعة النفس البشرية حينما تسعى للفوز وإن كان ذلك على حساب المبادئ والقيم، وهذا ما جسده مدرب السينغال خلال موعد الحسم، وهو يصدمنا بأن تلك الصورة الطيبة التي شكلها المغاربة عن شعبه ربما مجرد كانت أوهام ذاتية.

خسر المغرب اللقب القاري لكنه ربح سمعته وشعبه، واستفاد دروسا كثيرة وخبرة إضافية ستمنحه نضجا أكبر خلال احتضان كأس العالم 2030. كما أن المغاربة اكتسبوا اليوم مناعة أكبر وباتوا أكثر وعيا بأن نجاحات بلادهم، التي يرونها بديهية، تشكل محفزا لتنامي حسد الأعداء والخصوم، وهو مرض لا تفكك أعراضه بالتحليل الرياضي أوالسياسي، بل بعلم النفس الذي عليه تطوير مناهجه أكثر لتشمل أمراض العلاقات الدولية.

أخيرا، شكرا لكل من سهر على تشريف صورة المغرب والقارة الإفريقية، وشكرا لأسود الأطلس الذين امتزجت دمائهم بعرقهم على العشب الأخضر أملا في إسعاد الشعب، وشكرا لأصدقاء المغرب ولكل من قال كلمة حق أملاها عليه ضميره، وشكرا لزوارنا الذين تركوا الأثر الطيب، وبئسا لمن حاول تلويث سمعة هذه القارة بوعي أو بدونه.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق