دخلت حكومة عزيز أخنوش سنتها التشريعية الأخيرة، على وقع معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف مفارقة لافتة بين الخطاب الحكومي وواقع الأسر، حيث سجل ارتفاع في مؤشر ثقة الأسر حسابيا، يقابله استمرار واسع لشعور أغلبية الأسر أن مستوى معيشتها مستمر في التراجع، وأن البطالة مرشحة للارتفاع وأن القدرة على الادخار شبه منعدمة، ما يضع حصيلة الحكومة الاجتماعية أمام مساءلة مباشرة في نهاية ولايتها ويقوض سردية “التحسن” التي تحاول تسويقها اعتمادا على مؤشر عام تخفي تفاصيله واقعا أكثر قتامة.
وتفيد معطيات المندوبية السامية للتخطيط الصادرة ضمن نتائج البحث الوطني الدائم حول الظرفية لدى الأسر أن “مؤشر ثقة الأسر” واصل منحاه التصاعدي خلال الفصل الرابع من سنة 2025، إذ بلغ 57,6 نقطة مقابل 53,6 نقطة في الفصل الثالث من السنة نفسها، و46,5 نقطة في الفصل الرابع من سنة 2024.
هذا الارتفاع الحسابي، الذي ستسارع الحكومة في سنتها التشريعية الأخيرة إلى تقديمه باعتباره “تحسنا” في المزاج الاجتماعي لا يكتسب معناه الحقيقي إلا عند تفكيك مكونات المؤشر كما وردت في نفس المعطيات الرسمية، لأن التفاصيل تُظهر بوضوح أن جزءا كبيرا من التحسن لا يعني انتقال الأسر إلى وضع مريح بل يعكس غالبا تراجعا نسبيا في حدّة التشاؤم مقارنة بفترات كانت أسوأ، في وقت ما تزال فيه مؤشرات العيش والبطالة والقدرة على الادخار واقتناء السلع في المنطقة السلبية وبمستويات ثقيلة اجتماعيا.
ففي قلب المؤشر، تقول المندوبية إن 77,8% من الأسر صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهرا الماضية مقابل 16,9% اعتبرت أنه عرف استقرارا و5,3% فقط رأت تحسنه وبناء على ذلك، استقر “رصيد” هذا المكون عند مستوى سلبي بلغ ناقص 72,5 نقطة، مقارنة بـناقص 72,9 نقطة في الفصل السابق، وناقص 76,2 نقطة في الفصل الرابع من سنة 2024.
عمليا، نحن أمام صورة لا تسمح بأي احتفال سياسي، ذلك أنه ثلاثة أرباع الأسر تقريبا تقول إن المعيشة تدهورت، والتحسن المسجل هنا هو انتقال طفيف داخل نفس المنطقة السلبية لا انقلاب نوعيا في شروط العيش وهذه النقطة بالذات تُحرج الخطاب الحكومي، لأن أي “تحسن” في مؤشر عام لا يمكن فصله عن حقيقة أن الإحساس الغالب لدى الأسر هو التراجع ما يعني أن السياسات العمومية التي وعدت بكبح الغلاء وحماية القدرة الشرائية لم تنجح وفق إحساس الأسر نفسه كما تقيسه مؤسسة رسمية في تغيير القاعدة أي أن التدهور ما يزال هو الرواية الأكثر انتشارا.
وعندما ننظر إلى توقعات الأسر للمستقبل القريب، تتضح هشاشة التفاؤل، أكثر ففي ما يخص تطور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، تتوقع 49,4% من الأسر تدهوره، بينما ترجح 40,7% استقراره، ولا تتجاوز نسبة من يتوقعون التحسن 9,9%. وقد بلغ “رصيد” هذا المكون ناقص 39,5 نقطة، مسجلا تحسنا مقارنة بالفصل السابق (ناقص 44,3 نقطة وبالفصل الرابع من 2024 (ناقص 46,1 نقطة لكن حتى هذا التحسن يبقى داخل السالب فنصف الأسر تقريبا تتوقع تدهورا إضافيا بما يعني أن الأفق الاجتماعي من زاوية الأسر، ما يزال مثقلا بعدم اليقين وهنا يظهر الفارق بين “تحسن المؤشر” وبين “التحسن كواقع” والحكومة قد تتمسك بالاتجاه الصاعد لكن تفاصيل المكون تقول إن التوقعات ليست مطمئنة، وأن أي أمل بتحسن يظل أقلية رقمية.
وفي ملف البطالة، الذي يمثل أحد أعمدة الشرعية الاجتماعية لأي حكومة، تتوقع 65,2% من الأسر ارتفاع البطالة خلال السنة المقبلة، مقابل 17,5% فقط ترجح انخفاضها و “رصيد” هذا المكون بلغ ناقص 47,7 نقطة، مع تحسن مقارنة بالفصل السابق (ناقص 56,4 نقطة) وبالفصل الرابع من 2024 (ناقص 77,2 نقطة وبالتالي مرة أخرى، التحسن هنا يعني أن الخوف من البطالة تراجع نسبيا مقارنة بسنة كان التشاؤم فيها أعلى، لكنه لا يعني أن الأسر أصبحت ترى انفراجا فثلثا الأسر تتوقع ارتفاع البطالة وهذا مؤشّر سياسي بالغ الدلالة في السنة التشريعية الأخيرة، لأنه يضعف رواية “الأثر الاجتماعي للنمو” ويُبرز فجوة بين السياسات المعلنة ووقعها على سوق الشغل كما تتصوره الأسر أي توقع ارتفاع البطالة هو في نهاية المطاف تصويت مسبق ضد قدرة الحكومة على ضمان الأمان المهني والدخل.
وتُكمل معطيات المندوبية هذا المشهد عبر مؤشر القدرة على اقتناء السلع المستديمة، بوصفه مرآة للطلب الداخلي ولقدرة الأسر على الادخار والإنفاق خارج الضروريات. فقد اعتبرت 67,1% من الأسر أن الظروف غير ملائمة لاقتناء السلع المستديمة خلال الفصل الرابع من سنة 2025، في حين رأت 14,2% عكس ذلك.
واستقر “رصيد” هذا المكون في مستوى سلبي بلغ ناقص 52,9 نقطة، مقارنة بـناقص 57,7 نقطة في الفصل السابق وناقص 71,9 نقطة في الفصل الرابع من 2024 والدلالة المباشرة هنا أن أغلبية واسعة ما تزال تُؤجل الاستهلاك الكبير، وأن التحسن المسجل لا يخرج عن كونه تخفيفا نسبيا للضغط، لا تحولا يسمح بالعودة الطبيعية للإنفاق الاستثماري الأسري وفي سياق حكومة تُراهن على تحريك الاقتصاد عبر الاستهلاك والاستثمار، فإن استمرار سلبية هذا المؤشر يطرح سؤالا نقديا حول حدود “الحلول الظرفية” حين يتعلق الأمر بإعادة بناء ثقة اقتصادية حقيقية لدى الأسر.
ثم تأتي المؤشرات المالية لتقدم الصورة الأكثر حساسية اجتماعيا 58,4% من الأسر صرحت أن مداخيلها تغطي مصاريفها، بينما أفادت 39,2% بأنها اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض، في حين لم تتجاوز نسبة الأسر التي تمكنت من ادخار جزء من مداخيلها 2,4%. هذا الرقم الأخير علامة إنذار فإذا كانت نسبة الادخار عند 2,4% فقط، فهذا يعني أن هامش الأمان المالي شبه منعدم لدى الغالبية، وأن أي صدمة (صحية، مدرسية، سكنية، أو ارتفاع جديد للأسعار) قد تدفع مزيدا من الأسر نحو الاقتراض أو استنزاف ما تبقى من مدخرات.
وقد استقر “رصيد” آراء الأسر حول وضعيتهم المالية الحالية في ناقص 36,6 نقطة، مقابل ناقص 36,4 نقطة في الفصل السابق وناقص 38,9 نقطة في الفصل الرابع من 2024 ومرة أخرى تحسن طفيف لا يغير البنية العامة، فالمؤشر ما يزال سالبا والواقع المعيشي يقول إن قرابة أربع أسر من كل عشر تعيش على الاقتراض أو تآكل المدخرات.
أما بخصوص تطور الوضعية المالية خلال الاثني عشر شهرا الماضية، فقد صرحت 48,6% من الأسر بتدهورها مقابل 5,1% اعتبرت أنها تحسنت ليستقر “رصيد” هذا المكون في ناقص 43,5 نقطة، مقارنة بـناقص 46,8 نقطة في الفصل السابق وناقص 47,7 نقطة في الفصل الرابع من السنة الماضية. هنا تتجسد المفارقة بأوضح صورها أقلية ضئيلة جدا تقول إن وضعها المالي تحسن، مقابل قرابة نصف الأسر ترى التدهور وهذا يضع الحكومة أمام تقييم اجتماعي ضمني بأن آثار سياساتها كما عايشتها الأسر خلال السنة الماضية، لم تُترجم إلى تحسن ملموس في الجيب.
وفي ما يتعلق بتصور الأسر لتطور وضعيتها المالية خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، تتوقع 20,6% تحسنها مقابل 16,4% ترجح تدهورها، ليبلغ رصيد هذا المكون ناقص 4,2 نقاط، مسجلا تحسنا مقارنة بالفصل السابق (ناقص 10,0 نقاط) وبالفصل الرابع من 2024 (ناقص 16,3 نقطة وهذا هو المكون الأقرب إلى “التفاؤل النسبي” لكنه يبقى أيضا ضمن السالب ما يعني أن التحسن في التوقعات لا يرقى إلى يقين اجتماعي ولا إلى ثقة قوية هو أقرب إلى رجاء حذر في نهاية دورة اقتصادية صعبة وليس شهادة نجاح لسياسات عمومية.
خلاصة هذه التفاصيل، كما تقدمها المندوبية السامية للتخطيط نفسها أن الحكومة في سنتها التشريعية الأخيرة قد تجد في الرقم العام لمؤشر الثقة مادة تواصلية مريحة لكن تفكيك المؤشر يكشف توازنا هشا من حيث تحسن في المؤشرات مقارنة بالماضي القريب مقابل استمرار واسع للإحساس بتدهور المعيشة وتوقع ارتفاع البطالة واستمرار صعوبة اقتناء السلع المستديمة وهشاشة مالية تُقاس بارتفاع اللجوء إلى الاقتراض واستنزاف المدخرات، وبنسبة ادخار لا تتجاوز 2,4%.
