يواصل الوضع المائي بالمغرب تسجيل مؤشرات إيجابية لافتة معطيا إشارات واضحة على تحسن ملحوظ في مخزون السدود الوطنية بعد سنوات من الضغط المائي والجفاف المتواصل.
فإلى حدود أمس الأربعاء بلغت الموارد المائية المتوفرة في مختلف سدود المملكة حوالي 9,2 مليارات متر مكعب، لترتفع نسبة الملء الإجمالية إلى 55,2%، وهو مستوى يكاد يعادل ضعف ما سُجل خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وتُظهر المعطيات الرسمية أن هذا التحسن يمثل زيادة تقارب 98% مقارنة مع نهاية يناير 2025، حين لم تكن نسبة ملء السدود تتجاوز 27,6%، ما يعكس بشكل مباشر أثر التساقطات المطرية والثلجية المهمة التي عرفتها البلاد منذ بداية الموسم الفلاحي الحالي، والتي ساهمت في إنعاش الموارد المائية بعد فترة طويلة من الشح.
وتبرز المقارنة بين السنتين حجم التحول الذي شهدته الوضعية المائية على المستوى الوطني، حيث انتقلت احتياطات السدود من وضع مقلق إلى مستويات أكثر أريحية في ظرف زمني وجيز نسبيا، مدفوعة بتدفقات مائية قوية شملت أغلب الأحواض، وإن بنسب متفاوتة بين الجهات.
في هذا السياق، تصدّر حوض سبو قائمة الأحواض الأكثر امتلاء، مسجلا حجم مخزون يناهز 3.816,1 ملايين متر مكعب، أي بنسبة ملء تبلغ 68,7% وقد بلغت عدة منشآت مائية داخل هذا الحوض طاقتها القصوى، من بينها سدا باب لوطا وبوهدة اللذان امتلآ بالكامل، في حين تجاوز سد الوحدة عتبة 2,6 مليار متر مكعب من المياه المخزنة، مؤكدا دوره الاستراتيجي في التوازن المائي الوطني، سواء على مستوى السقي أو التزويد بالماء الصالح للشرب.
أما حوض اللوكوس، فقد سجل بدوره وضعية مائية مريحة، بنسبة ملء بلغت 71,3%، أي ما يعادل 1.363,8 مليون متر مكعب. ويُلاحظ أن خمسة سدود داخل هذا الحوض بلغت طاقتها القصوى، ويتعلق الأمر بسدود واد المخازن، الشريف الإدريسي، ابن بطوطة، شفشاون، والنخلة، وهو ما يعزز مكانة شمال المملكة كأحد أبرز المناطق المستفيدة من التساقطات الأخيرة.
وفي وسط البلاد، يقترب حوض أبي رقراق من حالة التشبع شبه الكامل، حيث بلغت نسبة ملء سدوده 96,2%، بحجم مخزون يناهز 1.041 مليون متر مكعب ويظل سد سيدي محمد بن عبد الله، الذي يضطلع بدور محوري في تزويد محور الرباط–الدار البيضاء بالماء الشروب، قريبا من سعته القصوى، ما يعزز هامش الأمان المائي بالنسبة لأحد أكثر الأقطاب الحضرية كثافة سكانية في البلاد.
حوض تانسيفت بدوره عرف تحسنا واضحا، إذ بلغت احتياطاته 181,7 مليون متر مكعب، بنسبة ملء تصل إلى 79,9%. وقد امتلأ سد مولاي عبد الله بالكامل، فيما سجلت سدود أبو العباس السبتي وأحمد بن سليمان الجزولي مستويات تخزين مريحة، تعكس انتعاشا ملموسا بعد سنوات من التراجع.
في المقابل، ورغم أن حوض أم الربيع لا يزال يسجل نسب ملء أدنى مقارنة بأحواض الشمال والوسط، إلا أن المؤشرات المسجلة تُظهر تحسنا تدريجيا، حيث بلغ حجم المخزون 1.512,8 مليون متر مكعب، بنسبة ملء تناهز 30,5%. وقد بلغت عدة سدود داخل هذا الحوض طاقتها القصوى أو قاربتها من بينها آيت مسعود، سيدي إدريس، ومولاي يوسف، في حين لا تزال السدود الكبرى المهيكلة أقل امتلاء، ما يعكس تفاوتا داخليا في الاستفادة من التساقطات.
أما حوض ملوية، فقد بلغ مخزونه المائي 317,3 مليون متر مكعب، بنسبة ملء تصل إلى 44,2%. ويُسجل سد واد زا امتلاء كليا، في مقابل منشآت أخرى ما تزال في طور استعادة عافيتها، في سياق تحسن عام لكنه غير متجانس.
وفي الجنوب، أكد حوض سوس–ماسة بدوره هذا المنحى الإيجابي حيث بلغت الاحتياطات 391,3 مليون متر مكعب، بنسبة ملء تناهز 53,5%. وقد امتلأ سدا أولوز ومولاي عبد الله بالكامل، ما يعزز الموارد المخصصة للسقي وتزويد السكان بالماء الشروب، خاصة في منطقة تعرف ضغطا مائيا هيكليا.
كما سجل حوض كير–زيز–غريس 310,6 ملايين متر مكعب من المياه المخزنة، بنسبة ملء بلغت 57,8%، مدعومة أساسا بمخزون سد الحسن الداخل الذي تجاوز حاجز 70%، ما ينعكس إيجابا على الأمن المائي لجهات الجنوب الشرقي.
أما حوض درعة–واد نون، فرغم بقائه دون مستويات الأحواض الشمالية والوسطى، فقد عرف بدوره تحسنا تدريجيا، إذ بلغ حجم مخزونه 326,2 مليون متر مكعب، بنسبة ملء تناهز 31,1% وتبقى هذه النسبة أفضل بكثير مما كانت عليه خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، ما يعكس بداية تعاف نسبي في واحدة من أكثر المناطق هشاشة مائيا.
ويأتي هذا التحسن العام في سياق مناخي استثنائي، تميز بتساقطات مطرية وثلجية مهمة، وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، نتيجة ظاهرة جوية نادرة مرتبطة بإعادة تشكل الضغوط الجوية فوق شمال المحيط الأطلسي، وفق ما أوضحته المديرية العامة للأرصاد الجوية.
وإذا كان بلوغ نسبة ملء وطنية في حدود 55,2% يُعد مؤشرا إيجابيا قويا على تحسن إدارة الموارد المائية بالمغرب، فإن التفاوتات المسجلة بين الأحواض تظل تذكيرا بضرورة مواصلة اليقظة وربط هذا التحسن باستمرار التساقطات واعتماد حكامة صارمة في تدبير المياه، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي تجعل من الوفرة ظرفية، ومن الاستدامة تحديا دائما.
