عاد اسم قصر “إيش” الحدودي بإقليم فجيج إلى الواجهة بعد تسجيل تحركات ميدانية نفذها الجيش الجزائري في المنطقة، تمس مجالا فلاحيا وساكنة محلية، حيث يُعيد هذا التطور إلى الأذهان تحركات سابقة في مناطق حدودية أخرى، تتزامن عادة مع تطورات دبلوماسية وجيوسياسية أكبر، وفي مقدمتها ملف الصحراء.
وبشكل يعيد للأذهان ما سجل في واحة العرجات، وفي منجم غار الجبيلات، التي سُوقت في الخطاب الرسمي الجزائري الموجه أساسا للداخل على أنها “انتصارات”، جرى التعامل مع خبر “طرد” فلاحين مغاربة من أراضيهم داخل قصر “إيش” والتي تستخدم للزراعة المعاشية منذ عقود، لدرجة حديث مصادر محلية عن إطلاق الجنود الجزائريين الرصاص الحي في الهواء بشكل “استفزازي”، على حد توصيفها.
هذه التحركات، التي تزامنت مع تركيز السلطات المغربية، بما في ذلك الجيش، على إجلاء المتضررين من الفيضانات بشمال وغرب المملكة، تطرح مجددا مسألة ترسيم الحدود والإشكالات المرتبطة بالغموض المحيط بتطبيق اتفاقية 1972، والتي تثير تباينات في التأويل بين الأطراف وتستمر في تشكيل أحد عوامل التوتر الحدودي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأراضٍ توارثها مزارعون مغاربة داخل النظاق الذي اتُفق على أنه سيكون جزءا من الأراضي الجزائرية.
وتشير المعطيات من المنطقة إلى تسجيل تحركات لعناصر من الجيش الجزائري، شملت إعادة صباغة بعض الأحجار الحدودية باللون الأبيض، ووضع علامات “حجرية”حدودية” إضافية، إلى جانب نزع أسلاك كانت تُستعمل لحماية بساتين فلاحية يشتغل بها سكان المنطقة الحدودية، وهي التحركات التي أُنجزت في مجال تعتبره الساكنة جزءا من نطاقها التاريخي والمعيشي، المستغل منذ أجيال في إطار فلاحة الواحات التقليدية.
ورغم تداول بعض المنابر الإعلامية الجزائرية معطيات تتحدث عن “فرض سيطرة” أو “استرجاع أراضٍ”، فإن المعطيات الميدانية المتوفرة تفيد بأن هذه التحركات لم تتجاوز المجال الذي تعتبره الجزائر داخلا ضمن نطاقها الحدودي، دون تسجيل أي دخول فعلي إلى التراب المغربي المعترف به رسميا، كما تؤكد شهادات محلية متطابقة أن منطقة قصر إيش الخاضعة للسيادة المغربية لم تشهد وجودا ميدانيا لعناصر جزائرية داخلها.
وفي تصريح لـ”الصحيفة”، أوضح محمد طلحة، الفاعل السياسي والجمعوي المتابع لملف قصر إيش وأحد سكان المنطقة، أن تلك الفضاءات الجغرافية عرفت، تاريخيا، علاقات اجتماعية متداخلة بين ساكنتها وسكان الجهة المقابلة من الحدود الجزائرية، حيث تجمع العائلات روابط قرابة ومصاهرة وذاكرة مشتركة، ظلت قائمة رغم التحولات السياسية، مضيفا أن هذا الترابط تجلّى بشكل واضح خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، حين ساهم سكان قصر إيش في دعم المجاهدين الجزائريين بوسائل متعددة.
وأشار المتحدث إلى أن القصر ظل، حتى في فترات التوتر السياسي بين البلدين، نموذجا لضبط النفس، حيث حافظ السكان على الفصل بين الخلافات الرسمية والعلاقات الإنسانية، كما سادت، في مراحل سابقة، علاقة غير مباشرة قائمة على تجنب الاحتكاك بين سكان الحدود المغاربة والجيش الجزائري الموجود بالقرب من المنطقة.
غير أن هذا التوازن، بحسب طلحة، بدأ يشهد توترا تدريجيا في الآونة الأخيرة، مع تصاعد الخطاب الإعلامي المتشنج، واحتدام الخلافات السياسية المرتبطة بملف الصحراء، إضافة إلى توظيف بعض القضايا الحدودية في سياق داخلي جزائري، كما وقع في حالات سابقة.
وأوضح المتحدث أن من بين التطورات اللافتة تسجيل نزول حوالي أربعين جنديا جزائريا أول أمس إلى منطقة تعتبرها الجزائر “حدودية”، في حين تنظر إليها الساكنة المحلية باعتبارها جزءاً من أراضيها المستغلة تاريخيا، حيث تم وضع علامات حجرية جديدة ونزع تجهيزات فلاحية، في خطوة فُهمت محليا كمحاولة لفرض ترسيم أحادي للحدود، كما أشار إلى تسجيل إطلاق نار في الهواء، ما خلف حالة من القلق في صفوف السكان.
وأمام هذه التطورات، انتقلت عناصر من القوات المسلحة الملكية إلى موقع قريب من المنطقة المعنية، حيث عاينت الوضع ميدانيا وقامت بتوثيق المعطيات ورفعها إلى الجهات المختصة، قبل الانسحاب في إطار مقاربة اتسمت بـ”الهدوء وتجنب الاحتكاك”.
وبخصوص اتفاقية ترسيم الحدود لسنة 1972، قال المتحدث إنه استنادا إلى قناعات الساكنة، يُنظر إلى ما جرى باعتباره مساسا بأراضٍ مرتبطة بتاريخ الاستقرار البشري والاستغلال الفلاحي المتوارث، في حين يطرح غياب توضيحات رسمية دقيقة بشأن تنزيل بنود الاتفاقية، واستمرار التعامل الانتقائي معها، إشكالات قانونية تفتح المجال لتأويلات متباينة وتوترات ميدانية متكررة.
ويقع قصر إيش في أقصى شرق المملكة، على بعد نحو 180 كيلومترا من مدينة بوعرفة، ويتبع ترابياً لجماعة بني كيل بإقليم فجيج، حيث يقطنه حوالي ثمانين شخصا، يعتمدون أساسا على الفلاحة المعيشية وتربية الماشية داخل واحة محدودة المساحة تضم أشجار الزيتون والنخيل، وتشكل بالنسبة لهم امتدادا لهوية جماعية وارتباطا تاريخيا بالأرض، موثقا بالذاكرة المحلية والمعالم الاجتماعية والثقافية.
