وسط ضغط متصاعد على الفلاحة والتعليم والصحة والماء.. آلاف الأسئلة البرلمانية تتكدس بلا رد و80 في المائة منها تضيع في دهاليز الصمت الحكومي

admin17 فبراير 2026آخر تحديث :
وسط ضغط متصاعد على الفلاحة والتعليم والصحة والماء.. آلاف الأسئلة البرلمانية تتكدس بلا رد و80 في المائة منها تضيع في دهاليز الصمت الحكومي


كشفت حصيلة الأسئلة البرلمانية عن ارتباك واضح في تفاعل الحكومة مع آلية المساءلة، بعدما تُركت آلاف الأسئلة الشفهية دون جواب داخل المؤسسة التشريعية بنسبة قاربت 80 في المائة رغم ارتباطها المباشر بقطاعات حساسة تمس الحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها الفلاحة والتعليم والصحة وهو ما يضع الأداء الحكومي تحت مجهر النقد إذ يعكس فجوة متسعة بين حجم الضغط الرقابي داخل البرلمان وضعف الاستجابة الفعلية بما يحول إحدى أهم أدوات المحاسبة الدستورية إلى مسار بطيء ومحدود الأثر في مساءلة السياسات العمومية.

ورسمت المعطيات التي قدمتها الوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان المتعلقة بحصيلة الأسئلة البرلمانية خلال السنة التشريعية الرابعة (2024–2025) صورة مزدوجة ومثقلة بالدلالات فمن جهة تعكس كثافة غير مسبوقة في النشاط الرقابي العددي داخل المؤسسة التشريعية، ومن جهة أخرى تكشف بوضوح عن اختلال عميق في وتيرة تفاعل الحكومة مع هذه الآلية الدستورية حيث يتزايد عدد الأسئلة المطروحة بشكل لافت، مقابل نسب إجابة تظل محدودة خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأسئلة الشفهية المرتبطة بالملفات الساخنة.

وبلغ مجموع الأسئلة البرلمانية الشفوية والكتابية، ما مجموعه 10.055 سؤالا خلال سنة تشريعية واحدة، أجابت الحكومة عن 7,299 منها، فعلى المستوى الظاهري يبدو الرقم كبيرا ويعكس حركة رقابية نشطة غير أن القراءة المتأنية للتفاصيل الرقمية تكشف عن فجوة واضحة بين حجم الأسئلة المطروحة وقدرة الجهاز التنفيذي على الاستجابة لها خاصة في القضايا التي ترتبط مباشرة بانتظارات المواطنين اليومية.

وتوزعت هذه الحصيلة بين 1114 سؤالا شفويا تمت برمجتها خلال السنة التشريعية، أُجيب عن 1061 سؤالا منها إلى جانب 8941 سؤالا كتابيا موجها إلى مختلف القطاعات الحكومية، حصل 6,238 منها على إجابات رسمية بنسبة استجابة عامة في حدود 70 في المائة بالنسبة للأسئلة الكتابية غير أن هذه النسبة رغم أهميتها، تخفي خلفها مؤشرا مقلقا يتعلق بالأسئلة الشفهية التي يفترض أن تكون الواجهة الأساسية للمساءلة السياسية المباشرة.

فخلال الجلسات الأسبوعية المخصصة للأسئلة الشفهية، والتي بلغ عددها 53 جلسة عامة توزعت بشكل شبه متساوٍ بين مجلس النواب (26 جلسة) ومجلس المستشارين (27 جلسة)، وجّه أعضاء البرلمان بمجلسيه ما مجموعه 6893 سؤالا شفويا إلى الحكومة لكن ما يثير الانتباه هو أن عدد الأسئلة التي تمت الإجابة عنها فعليا لم يتجاوز 1483 سؤالا، وهو ما يعني أن آلاف الأسئلة ظلت دون جواب أو عالقة في قوائم الانتظار، بنسبة وصلت إلى 80 في المائة في مجلس النواب و76 في المائة في مجلس المستشارين.

وهذه الأرقام لا تعكس فقط ضغطا رقابيا مرتفعا، بل تكشف أيضا عن صعوبة واضحة في تصفية المخزون المتراكم من الأسئلة داخل المؤسسة التشريعية ما يحول جزءا كبيرا من هذه المبادرات الرقابية إلى مجرد ملفات مؤجلة، بدل أن تتحول إلى لحظات فعلية للمساءلة والمحاسبة داخل الجلسات العمومية.

وتبرز الأسئلة الآنية باعتبارها المؤشر الأكثر دلالة على مدى مواكبة البرلمان للأحداث الجارية والتطورات المتسارعة داخل المجتمع فقد طرح البرلمانيون في الغرفتين ما مجموعه 4050 سؤالا آنيا، غير أن حجم الاستجابة الحكومية ظل محدودا بشكل لافت. ففي مجلس النواب، من أصل 2282 سؤالا آنيا، أبدت الحكومة استعدادها للإجابة على 454 سؤالا فقط، بينما لم يبرمج مكتب المجلس منها سوى 272 سؤالا أما في مجلس المستشارين فمن أصل 1768 سؤالا آنيا، أعلنت الحكومة استعدادها للإجابة على 320 سؤالا، تمت برمجة والإجابة على 231 سؤالا فقط.

ويكشف هذا التفاوت بين عدد الأسئلة المطروحة وعدد الأسئلة التي تجد طريقها فعليا إلى الجلسات عن فجوة واضحة بين دينامية الطرح البرلماني وقدرة الجهاز التنفيذي على التفاعل السريع مع القضايا المستجدة، خاصة في القطاعات التي تلامس مباشرة هموم المواطنين.

وتظهر المعطيات الرقمية أيضا تباينا حادا في حجم الضغط الرقابي المسلط على الوزارات، حيث تصدرت قطاعات الفلاحة والتعليم والصحة والتجهيز قائمة الوزارات الأكثر استهدافا بالأسئلة نظرا لارتباطها الوثيق بقضايا الجفاف والأمن الغذائي والخدمات الصحية وأزمة الماء والتعليم.

وتربعت وزارة الفلاحة على رأس القطاعات الأكثر تلقيا للأسئلة الآنية، إذ واجهت في مجلس النواب وحده 216 سؤالا آنيا، وفي مجلس المستشارين 105 أسئلة ويعزى هذا الضغط الكبير إلى حساسية الملفات المرتبطة بالجفاف والأمن الغذائي وتحديات الصيد البحري فيما ورغم هذا الحجم الكبير من الأسئلة، لم تتجاوز الإجابات الفعلية المبرمجة 22 سؤالا في مجلس النواب و9 أسئلة فقط في مجلس المستشارين، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين حجم القضايا المطروحة ومستوى التفاعل الحكومي معها.

ومن جهتها، استقبلت وزارة التربية الوطنية 169 سؤالا آنيا في مجلس النواب، أُجيب على 15 منها فقط بشكل مبرمج، في حين تلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية 167 سؤالا آنيا، لم تتم برمجة سوى 10 إجابات بشأنها. كما سجلت وزارة التجهيز والماء ضغطا رقابيا كبيرا بـ139 سؤالا آنيا، في ظل تزايد المخاوف المرتبطة بالإجهاد المائي والضغط على الموارد المائية في البلاد.

وتظل وزارة الداخلية رقما صعبا في المعادلة الرقابية، حيث تلقت 105 أسئلة آنية في مجلس النواب و110 أسئلة في مجلس المستشارين، مسجلة نسبة استجابة توصف بالمتوسطة مقارنة بقطاعات أخرى، بالنظر إلى طبيعة الملفات المرتبطة بها وحساسيتها السياسية والإدارية.

وعند الانتقال إلى ما يسمى بـ”الأسئلة العادية”، يتضح أن وتيرة الإجابة لا تختلف كثيرا من حيث محدوديتها فمن أصل 2,843 سؤالا عاديا مطروحا، تمت الإجابة على 980 سؤالا فقط واستحوذ مجلس النواب على 612 إجابة من أصل 2091 سؤالا، بينما تمت الإجابة في مجلس المستشارين على 368 سؤالا من أصل 752.

وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة لافتة، إذ تصل نسبة الإجابة في مجلس المستشارين إلى نحو 50 في المائة، مقابل 29 في المائة فقط في مجلس النواب وقد يُفسَّر هذا الفارق بطبيعة الملفات التي يهتم بها مجلس المستشارين والتي تميل إلى الطابع التقني والمهني، ما قد يسهل التعامل معها مقارنة بالقضايا السياسية والاجتماعية الساخنة التي تطغى على أسئلة مجلس النواب.

في المقابل، تبرز الأسئلة الكتابية كأداة رقابية أكثر انتظاما من حيث المعالجة، إذ وجه أعضاء البرلمان بمجلسيه ما مجموعه 8,941 سؤالا كتابيا، قدمت الحكومة أجوبة على 6238 منها، بنسبة استجابة عامة بلغت حوالي 70 في المائة ووفق المعطيات ذاتها، وجه النواب 7032 سؤالا كتابيا، أجابت الحكومة عن 5055 منها، بينما وجه المستشارون 1909 أسئلة، أجابت الحكومة عن 1183 منها.

غير أن هذا التفوق العددي في الإجابات المرتبطة بالأسئلة الكتابية لا يخفي حقيقة أن هذا النوع من المساءلة يظل أقل تأثيرا من الناحية السياسية والإعلامية، لأنه يتم في الغالب خارج الجلسات العلنية، وضمن مسار إداري بطيء لا يواكب دائما إيقاع النقاش العمومي ولا يعكس درجة الضغط السياسي نفسها التي تصاحب الأسئلة الشفهية.

وفي المحصلة، يبلغ مجموع الأسئلة الشفوية والكتابية 10.055 سؤالا، أُجيب عن 7299 منها، في مؤشر يعكس من جهة كثافة الحركية الرقابية داخل البرلمان لكنه يطرح من جهة أخرى تساؤلات حقيقية حول وتيرة معالجة ما تبقى من الأسئلة، ومدى قدرة الآليات المعتمدة على مواكبة انتظارات الرأي العام، وتسريع منسوب التفاعل الحكومي مع المؤسسة التشريعية.

وتكشف هذه الحصيلة، بما تتضمنه من أرقام دقيقة، عن واقع رقابي مثقل بالتراكم والانتظار، حيث يتزايد عدد الأسئلة المرتبطة بقطاعات تمس الحياة اليومية للمواطنين بينما يظل جزء كبير منها دون جواب، ما يعيد طرح سؤال الفعالية الحقيقية لآلية المساءلة داخل البرلمان، وحدود قدرتها على تحويل النقاش الرقابي من مجرد أرقام إلى أدوات ضغط فعلي على السياسات العمومية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق