سجلت الوضعية المائية بالمملكة إلى غاية أمس الأربعاء، تحسنا لافتا يؤشر على تحول مهم في المؤشرات الهيدرولوجية بعد سنوات متتالية من الإجهاد المائي الحاد حيث بلغت الكميات المخزنة في مختلف سدود البلاد ما مجموعه 11.857,7 مليون متر مكعب، أي ما يعادل 11.8 مليار متر مكعب من المياه، مقابل 4.644,3 ملايين متر مكعب فقط في التاريخ نفسه من السنة الماضية.
ويمثل هذا الفارق وفق المعطيات الرسمية ذاتها لوزارة التجهيز والماء، ارتفاعا يقارب 155 في المائة في حجم الموارد المائية المتوفرة، في وقت قفز فيه معدل الملء الإجمالي إلى 70.7 في المائة بعدما لم يكن يتجاوز 27.5 في المائة في 18 فبراير 2025.
وهذه الأرقام المسجلة خلال هذا اليوم تحديدا، تعكس بوضوح الأثر المباشر للتساقطات المطرية التي شهدتها المملكة خلال الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في إعادة تغذية الأحواض المائية الكبرى ورفع منسوب المخزون في عدد من السدود الرئيسية، لتسجل البلاد واحدة من أبرز فترات الانتعاش المائي منذ سنوات فخلال اثني عشر شهرا فقط، انتقلت وضعية السدود من مستويات مقلقة إلى مؤشرات مريحة نسبيا في عدد من المناطق، ما يعيد رسم صورة المشهد المائي الوطني في لحظة مفصلية من السنة الهيدرولوجية.
وتؤكد المعطيات المسجلة اليوم أن عدة أحواض مائية كبرى عادت إلى مستويات ملء مرتفعة خاصة في شمال ووسط البلاد، فقد بلغ معدل ملء حوض اللوكوس 94.6 في المائة، في حين سجل حوض أبي رقراق نسبة 94.1 في المائة، ووصل حوض سبو إلى 90.3 في المائة، وهي نسب تعكس وفرة واضحة في الموارد المائية داخل هذه المجالات الجغرافية التي تشكل خزانات استراتيجية لتزويد المدن الكبرى بالماء الصالح للشرب ودعم النشاط الفلاحي.
وفي تفاصيل أدق، تجاوزت بعض المنشآت المائية الكبرى داخل حوض سبو مستويات مهمة، إذ تخطى سد الوحدة عتبة 3.2 مليارات متر مكعب من المياه المخزنة، بمعدل ملء يفوق 90 في المائة، وهو من أكبر السدود في المملكة ويؤدي دورا محوريا في التوازن المائي الوطني أما في حوض أبي رقراق، فقد اقترب سد سيدي محمد بن عبد الله من نسبة ملء تناهز 95 في المائة، ما يعزز قدرته على دعم منظومة التزويد بالماء في المناطق الحضرية الكبرى.
ولم يقتصر التحسن على هذه الأحواض فقط، بل شمل أيضا حوض تانسيفت الذي بلغ معدل ملئه 85.2 في المائة، إلى جانب حوض كير–زيز–غريس الذي وصل إلى 60.2 في المائة، مع تسجيل تحسن لافت في مستوى سد الحسن الداخل الذي بلغ 78 في المائة وتعكس هذه المؤشرات أن الانتعاش المائي لم يكن محصورا في منطقة بعينها، بل شمل عدة مجالات مائية بدرجات متفاوتة.
ورغم هذا التحسن العام المسجل إلى حدود اليوم، ما تزال الوضعية متباينة بين مختلف الجهات، حيث تشير الأرقام إلى استمرار هشاشة نسبية في بعض الأحواض فقد بلغ معدل ملء حوض أم الربيع 46.3 في المائة، بينما وصل حوض سوس ماسة إلى 54.5 في المائة، مع وجود تفاوت واضح بين السدود داخلهما وعلى سبيل المثال، لم يتجاوز سد يوسف بن تاشفين نسبة 50 في المائة من الملء وتبقى جهة درعة واد نون الأكثر تأثرا من حيث ضعف الموارد، بمعدل ملء إجمالي بلغ 34.1 في المائة، رغم تسجيل تحسن مقارنة بالسنة الماضية.
كما تكشف المعطيات اليومية المسجلة بين 17 و18 فبراير الجاري، عن استمرار تدفق الموارد المائية بوتيرة ملحوظة، إذ ارتفع منسوب عدد من السدود خلال أربع وعشرين ساعة فقط فقد سجل سد المسيرة، الواقع ضمن حوض أم الربيع، زيادة تجاوزت 21 مليون متر مكعب من المياه كما ارتفع مخزون سد محمد الخامس في الجهة الشرقية بأكثر من 5.5 ملايين متر مكعب، بينما سجل سد سيدي محمد بن عبد الله زيادة تفوق 2.2 مليون متر مكعب وتشير هذه الأرقام إلى أن الدينامية الإيجابية التي يعرفها المخزون المائي ما تزال متواصلة منذ بداية السنة الهيدرولوجية الحالية.
ويأتي هذا التحسن المسجل اليوم في سياق مرحلة دقيقة عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث شكل تراجع مخزون السدود أحد أبرز مظاهر الضغط المناخي وتداعيات توالي سنوات الجفاف، وهو ما فرض إجراءات استثنائية لتدبير الموارد، خاصة في ما يتعلق بتأمين التزود بالماء الصالح للشرب وتقنين الاستعمالات الفلاحية في بعض المناطق.
واليوم، تعكس الأرقام الجديدة تحسنا واضحا في مستوى الأمن المائي، مع ما يعنيه ذلك من تعزيز قدرة المنظومة الوطنية على مواجهة الطلب المتزايد على المياه، سواء في المدن أو في المجالات الزراعية.
وفي موازاة هذه المؤشرات، يتواصل النقاش حول كيفية تدبير الموارد المائية في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، إذ لم يعد الاعتماد على التساقطات المطرية وحدها كافيا لضمان الاستقرار المائي على المدى الطويل ولهذا، يجري العمل على تسريع عدد من المشاريع الكبرى المرتبطة بربط الأحواض المائية فيما بينها، وبناء سدود جديدة، وتوسيع محطات تحلية مياه البحر، إلى جانب تطوير استعمال الموارد غير التقليدية، في محاولة لبناء منظومة مائية أكثر مرونة في مواجهة التقلبات المناخية.
وبناء على المعطيات المسجلة إلى غاية هذا اليوم الأربعاء يظهر أن الوضعية المائية الوطنية تشهد انتعاشا واضحا يعزز قدرة البلاد على تأمين حاجياتها الأساسية من الماء، ويدعم القطاع الفلاحي، ويخفف الضغط عن عدد من الجهات التي عانت من الخصاص غير أن استمرار التفاوت بين الأحواض والتقلبات المناخية المتواصلة، يجعلان من مسألة التدبير المستدام للموارد المائية تحديا استراتيجيا دائما، يتطلب يقظة مستمرة وسياسات طويلة النفس لضمان الأمن المائي في السنوات المقبلة.
