سرية بالغة” لمفاوضات واشنطن حول تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء بحضور المغرب والجزائر وموريتانيا وممثل جبهة “البوليساريو

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
سرية بالغة” لمفاوضات واشنطن حول تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء بحضور المغرب والجزائر وموريتانيا وممثل جبهة “البوليساريو


انتهت في العاصمة الأمريكية واشنطن الجولة الثالثة المتتالية من المشاورات الدولية المغلقة حول نزاع الصحراء، في سياق دبلوماسي يتسم بدرجة غير مسبوقة من السرية وبانخراط مباشر للولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب الأمم المتحدة في إدارة مسار تفاوضي جديد يستند إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 الصادر في أكتوبر الماضية، والذي أعاد رسم إطار العملية السياسية على أساس ما وصفه بـ”الحل الواقعي والقائم على التوافق” مع التأكيد على مركزية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساسا للتسوية السياسية.

هذه الجولة، التي جرت بعيدا عن الإعلام ووسط تكتم شديد من مختلف الأطراف، انعقدت برعاية من الأمم المتحدة وبإدارة من مسعد بولس المستشار الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جانب مايكل والتز، السفير الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، فيما شارك ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، بصفته المسؤول الأممي المكلف بتيسير العملية السياسية، إلى جانب وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ووزير خارجية الجزائر أحمد عطاف.

وعن موريتانيا شارك وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، إلى جانب وفد عن جبهة البوليساريو ضم محمد يسلم بيسط وسيدي محمد عمار، منسق الجبهة مع بعثة الأمم المتحدة، إضافة إلى ممثلها في واشنطن مولود سعيد، ويؤشر هذا الحضور إلى عودة صيغة الاجتماعات متعددة الأطراف التي تشمل الجزائر باعتبارها طرفا أساسيا في النزاع، وهو ما يشكل أحد المرتكزات التي أكد عليها مجلس الأمن في قراراته الأخيرة.

ووفق المعطيات المتوفرة، فقد ركزت هذه الجولة على مناقشة الخطوط العريضة للصيغة المُحَيَّنة التي أعدها المغرب لمبادرة الحكم الذاتي وهي صياغة جديدة تأتي في أعقاب القرار الأممي الأخير وتهدف إلى تقديم تصور تفاوضي أكثر تفصيلا يشمل الأبعاد المؤسساتية والسياسية والاقتصادية للنموذج المقترح، مع الحفاظ على مبدأ السيادة المغربية كإطار مرجعي نهائي.

ويأتي إعداد هذه الصيغة، في سياق توجيهات عليا لتكييف المبادرة مع المتغيرات الدولية ومع التطور الذي طرأ على مواقف عدد متزايد من الدول، خاصة بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في 2020، وتزايد عدد الدول التي فتحت قنصليات في مدينتي العيون والداخلة.

غير أن اللافت في هذه الجولة لم يكن فقط مضمون النقاشات، بل طبيعة المناخ الذي أحاط بها، حيث طغى التكتم الكامل على مجرياتها، ولم يصدر أي بيان رسمي مفصل عن الأطراف المشاركة، كما امتنعت الوفود عن الإدلاء بتصريحات صحافية.

وحاولت “الصحيفة” التواصل مع عدد من الجهات المعنية، بما في ذلك مصادر دبلوماسية مغربية وقيادات في جبهة البوليساريو، غير أن جميعها تحفظت على التعليق، فيما اعتذر قياديون في الجبهة عن تقديم أي توضيحات أو تأكيدات بشأن سير المحادثات أو مضمونها، ويعكس هذا الصمت وفق متابعين، حساسية المرحلة التفاوضية ورغبة الوسطاء في تفادي أي تسريبات قد تؤثر على توازن العملية السياسية أو على مواقف الأطراف.

وهذا النهج المتحفظ أكدته الأمم المتحدة بشكل صريح، حيث أوضح ستيفان دوجاريك، الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، خلال المؤتمر الصحافي اليومي في نيويورك أن المنظمة لا تستطيع تحديد سقف زمني لاستمرار هذه المشاورات، مشيرا إلى أن الغموض الزمني هو جزء من المنهج الذي اعتمده المبعوث الأممي.

وقال إن هذا الخيار يهدف إلى منح العملية السياسية الوقت اللازم لتطوير أرضية تفاوضية قابلة للتقدم، دون ضغط المواعيد النهائية أو الاعتبارات الإعلامية، مضيفا أن المشاركين هم أنفسهم الأطراف التي شاركت في المشاورات السابقة التي احتضنتها مدريد، في إشارة إلى استمرارية نفس الإطار التفاوضي، دون الكشف عن تفاصيل إضافية.

وتأتي هذه التطورات في سياق إعادة تفعيل المسار السياسي بعد سنوات من الجمود، حيث شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 نقطة تحول في مقاربة الأمم المتحدة للنزاع، من خلال تكريس مفاهيم الواقعية والتوافق كمرجعية أساسية، والدعوة إلى استئناف المفاوضات دون شروط مسبقة وبمشاركة جميع الأطراف المعنية كما فتح القرار المجال أمام مقاربة أكثر مرونة، تقوم على تطوير المبادرات القائمة بدل البحث عن صيغ جديدة بالكامل، وهو ما يفسر تركيز النقاشات الحالية على تحديث مبادرة الحكم الذاتي بدل طرح بدائل أخرى.

وتشير المؤشرات إلى أن الانخراط الأمريكي المباشر في هذه المشاورات يعكس رغبة واشنطن في تسريع وتيرة العملية السياسية، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي، وتزايد أهمية الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل. كما يعكس هذا الانخراط إدراكا أمريكيا بأن النزاع، الذي ظل لسنوات ملفا أمميا تقنيا، أصبح يرتبط بمعادلات أوسع تشمل الأمن الإقليمي، والتنافس الجيوسياسي، وإعادة تشكيل موازين النفوذ في إفريقيا.

في المقابل، فإن غياب أي تسريبات أو مؤشرات رسمية حول طبيعة التنازلات أو المقترحات المطروحة يعكس أن العملية لا تزال في مرحلة حساسة، حيث يسعى الوسطاء إلى بناء أرضية تفاهم تدريجية، بعيدا عن الضغوط السياسية والإعلامية.

ويؤكد هذا المناخ أن ما يجري في واشنطن جزء من مسار تفاوضي جديد يجري بناؤه في ظل رعاية أمريكية أممية مشتركة، ووسط رهانات متزايدة على إمكانية تحويل مبادرة الحكم الذاتي إلى إطار عملي للتسوية النهائية للنزاع.

ومن المهم الإشارة، إلى أن الاجتماعات التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد خلال الأسابيع الماضية وشكلت ما بات يُعرف داخل الأوساط الدبلوماسية بـ”خارطة مدريد” وهي سلسلة مشاورات غير رسمية أعادت ترتيب أولويات العملية السياسية بعد سنوات من الجمود الذي أعقب انهيار وقف إطلاق النار في 2020.

وقد اعتمدت هذه الاجتماعات مقاربة تدريجية تقوم على الانتقال من مرحلة تثبيت مواقف الأطراف إلى مرحلة اختبار إمكانيات التفاوض حول تفاصيل الحل، بدل الاكتفاء بتكرار المبادئ العامة وتمحورت هذه الخارطة حول ثلاث ركائز أساسية وهي تثبيت مرجعية قرارات مجلس الأمن الأخيرة، إعادة إشراك جميع الأطراف الإقليمية المعنية بشكل مباشر، وإدماج الفاعلين الدوليين المؤثرين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، في دور أكثر فاعلية يتجاوز الدعم السياسي التقليدي نحو المرافقة المباشرة لمسار التفاوض.

وكانت مصادر دبلوماسية مطلعة قد أفادت لـ “الصحيفة” بأن “خارطة مدريد” لم تكن مجرد لقاءات تشاورية، بل شكلت مرحلة اختبار أولية لمواقف الأطراف بشأن الصيغة المُحَيَّنة لمبادرة الحكم الذاتي حيث تم خلالها تقديم تصورات أولية حول طبيعة الصلاحيات المؤسساتية، وآليات الضمانات الدولية، وشكل الإشراف الأممي خلال المرحلة الانتقالية المحتملة.

كما أتاحت هذه الاجتماعات للمبعوث الأممي ستافان دي ميستورا بلورة تصور عملي لما وصفه في إحاطاته أمام مجلس الأمن بـ”الفرصة الواقعية لإعادة إطلاق العملية السياسية” خاصة في ظل تراجع الدعم الدولي للأطروحات القائمة على الاستفتاء، مقابل صعود مقاربات الحكم الذاتي كحل توافقي.

وتشير المعطيات المتقاطعة إلى أن مشاورات واشنطن الأخيرة تأتي كامتداد مباشر لتلك الخارطة، حيث انتقلت العملية السياسية من مرحلة التشاور الاستكشافي إلى مرحلة النقاش التقني حول مضامين الحل المقترح، وهو تحول يعكس رغبة الوسطاء الدوليين في الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية عملية.

ويُنظر إلى الدور الأمريكي في هذا السياق باعتباره عاملا حاسما، نظرا لقدرة واشنطن على التأثير في مواقف الأطراف، وارتباط الملف باعتبارات أوسع تشمل الأمن الإقليمي في منطقة الساحل، والعلاقات الاستراتيجية مع المغرب باعتباره حليفا رئيسيا خارج حلف شمال الأطلسي.

وبحسب مصادر أممية، فإن المشاورات لن تتوقف عند هذه الجولة، بل من المرتقب أن تتواصل خلال الأشهر المقبلة عبر اجتماعات تقنية مغلقة قد تُعقد بالتناوب بين واشنطن ونيويورك وعواصم أوروبية، مع إمكانية تنظيم لقاءات مصغرة تركز على قضايا محددة مثل الضمانات السياسية، وآليات تنفيذ الحكم الذاتي، ودور بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “مينورسو” خلال أي مرحلة انتقالية ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية تعتمد التفاوض المرحلي، حيث يتم تفكيك الملفات المعقدة إلى عناصر تقنية قابلة للنقاش بدل طرحها دفعة واحدة.

ولا تستبعد مصادر دبلوماسية أن هذه المشاورات في نهاية المطاف بعقد جولة مفاوضات سياسية رفيعة المستوى، قد تُعقد تحت رعاية مشتركة بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة، إذا ما تم تسجيل تقدم كافٍ في المشاورات الحالية فيما يُنظر إلى هذا المسار باعتباره محاولة لإعادة تشكيل العملية السياسية ضمن توازن جديد، يقوم على الواقعية السياسية والتدرج التفاوضي، في ظل إدراك دولي متزايد بأن استمرار النزاع في وضعه الحالي يشكل عامل عدم استقرار إقليمي، ويحد من فرص الاندماج الاقتصادي والأمني في منطقة شمال إفريقيا.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق