أطلقت الولايات المتحدة مسارا تفاوضيا جديدا بشأن نزاع الصحراء، في تحرك يعكس رغبتها في إعادة تنشيط الجهود السياسية لإيجاد مخرج للأزمة، حيث احتضنت العاصمة الأمريكية وانن، قبل أيام في خطوة غير مسبوقة خارج الإطار الأممي التقليدي، محادثات ضمت المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، برعاية المبعوث الأميركي، وذلك في محاولة لكسر حالة الجمود التي تخيم على هذا الملف.
ووفق تحليل حديث صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، فإن إشراك الجزائر في هذا المسار يعكس فهما أميركيا لدورها المركزي في النزاع، خاصة في ظل تراجع الاعتراف الدولي بما يسمى “الجمهورية الصحراوية” مقارنة بسبعينيات القرن الماضي.
ويبرز المصدر أن إقناع الجزائر بالجلوس إلى الطاولة لم يكن خطوة سهلة، في ظل تمسكها سابقا بصفة “مراقب إقليمي” لا طرف مباشر، غير أن مقاربة واشنطن التي أخذت بعين الاعتبار أولويات الجزائر ساهمت في دفعها إلى المشاركة.
ويرى التحليل أن اختزال فرص التسوية في قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغط على الجزائر سيكون قراءة قاصرة، إذ إن موقف الجزائر مرتبط باعتبارات أعمق تتصل بتصورها التاريخي للنزاع وتوجساتها.
واعتبر المصدر ذاته أن أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحفظ الجزائري إزاء مقترح الحكم الذاتي المغربي يكمن، بحسب التحليل ذاته، في حساسية الجزائر الشديدة تجاه مسألة الحدود، فالنخب الحاكمة في الجزائر تولي أهمية قصوى لقدسية الحدود الموروثة عن الاستعمار، وتتعامل معها باعتبارها خطا أحمر لا يجوز المساس به، في ضوء تاريخ طويل من النزاعات الحدودية مع المغرب سبق اندلاع ملف الصحراء نفسه.
ويشير معهد واشنطن إلى أن استمرار إشراك الجزائر بشكل فعلي، مع معالجة مخاوفها الجوهرية وفي مقدمتها مسألة الحدود، يمثل شرطا أساسيا لنجاح أي مسار تفاوضي جديد، حيث أن إدارة الحوار بعيدا عن الأضواء قد تسهم في بناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لتسوية متدرجة، في نزاع ظل لعقود رهين حسابات التاريخ والجغرافيا والسيادة.
وأضاف المصدر ذاته، أن هاجس ما يُعرف بـ”الصحراء الشرقية”بات يشكل خلفية مؤثرة في المقاربة الجزائرية للملف، معتبرا أن هذا المعطى يفسر جانبا من تشدد الموقف الجزائري خلال المسارات التفاوضية المرتبطة بنزاع الصحراء، حيث أن صانعي القرار في الجزائر يضعون مسألة تثبيت الحدود القائمة ضمن أولوياتهم الاستراتيجية، تحسبا لأي تحولات إقليمية قد تعيد طرح ملفات تاريخية مؤجلة.
وانتهت في الأيام الأخيرة الجولة الثالثة من المفاوضات الدولية حول نزاع الصحراء، والتي تقودها الولايات المتحدة بالتعاون مع الأمم المتحدة، في إطار تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يهدف إلى إعادة إطلاق العملية السياسية دون فرض شروط مسبقة.
وعُقد الاجتماع تحت إشراف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمشاركة مسعد بولس، مستشار البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، ومايكل والتز، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا وسط تكتم شديد على مخرجات المشاورات.
وشهدت المشاورات مشاركة الأطراف المعنية بشكل مباشر، من بينهم ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية المغربي، وأحمد عطاف، وزير الخارجية الجزائري، ومحمد سالم ولد مرزوك، وزير الخارجية الموريتاني، كما حضر وفد جبهة البوليساريو، ضم محمد يسلم بيسط وسيدي محمد عمار، المنسقين مع بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، إضافة إلى ممثلها في واشنطن مولود سعيد، ما يعكس محاولة جمع كل الأطراف المعنية على طاولة واحدة لمناقشة آليات التوصل إلى حل سياسي دائم.
