دخل لبنان مرحلة توتر سياسي وأمني جديد، عقب انطلاق المواجهة العسكرية الجديدة بين حزب الله وإسرائيل، غثر اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في مشهد أعاد إلى الواجهة الانقسام الداخلي حول قرار الحرب والسلم، وفتح مواجهة غير مباشرة بين الحزب من جهة، ورئيسي الجمهورية والحكومة من جهة أخرى، اللذان يخشيان من انجرار البلاد مجددا إلى الحرب.
وأعلن الحزب الشيعي الموالي لطهران أنه قصف موقع “مشمار الكرمل” جنوبي مدينة حيفا بدفعة من الصواريخ والمسيّرات، واصفا العملية بأنها “ثأر لدم الإمام خامنئي ودفاعا عن لبنان وشعبه”، وأكد في بيانه أن استمرار “الاعتداءات الإسرائيلية واغتيال قادته وشبابه” يمنحه الحق في الرد، في أول هجوم ينفذه منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار مع تل أبيب.
الهجوم على منطقة جنوب حيفا شمالي إسرائيل استدعى ردا سريعا من الجيش الإسرائيلي، الذي أعلن بدء غارات جوية مكثفة على أهداف تابعة للحزب في أنحاء متفرقة من لبنان، وشملت الضربات الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب مناطق في الجنوب والشرق، فيما أفادت مصادر طبية لبنانية بسقوط عشرة قتلى على الأقل جراء الغارات، بينما تحدث شهود عن أكثر من اثني عشر انفجارا هزت العاصمة.
وفي الداخل اللبناني، لم يمر تحرك الحزب من دون اعتراض رسمي واضح، فقد سارع رئيس الوزراء نواف سلام إلى وصف إطلاق الصواريخ بأنه “عمل غير مسؤول ومشبوه أيا كانت الجهة التي تقف وراءه”، محذرا من أن هذه الخطوة تعرض أمن لبنان وسلامته للخطر وتمنح إسرائيل ذرائع لمواصلة هجماتها. وأكد أن الحكومة لن تسمح بجر البلاد إلى “مغامرة جديدة”، وتعهد باتخاذ الإجراءات اللازمة لتوقيف مطلقي الصواريخ.
من جهته، اعتبر الرئيس اللبناني جوزيف عون أن إطلاق الصواريخ من الأراضي اللبنانية يقوّض جهود الدولة لإبقاء البلاد بعيدة عن المواجهات الخطيرة في المنطقة، مشددا على أنه لن يسمح بتحويل لبنان إلى “منصة لحروب إسناد لا علاقة لنا بها”، في إشارة واضحة إلى الصراع المتصاعد بين إسرائيل وإيران.
هذا التباين العلني بين موقف الدولة وموقف الحزب يعكس اتساع الفجوة حول قرار الانخراط في النزاعات الإقليمية، ففي حين يرى الحزب أن تحركاته تأتي في إطار “الدفاع والرد” ضمن محور إقليمي أوسع، تتمسك الرئاسة والحكومة بخيار النأي بلبنان عن المواجهة، خشية انزلاقه إلى حرب مفتوحة لا يحتمل تبعاتها الاقتصادية والأمنية.
دخول حزب الله مجددا على خط المواجهة مع إسرائيل، في ظل احتدام الصراع بين تل أبيب وطهران، يضع السلطة اللبنانية أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على فرض قرارها السيادي وضبط السلاح خارج إطار الدولة، كما يطرح تساؤلات حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار، وإمكانية احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة شاملة.
