أحزاب تحتاج لمن يفكّر لها

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
أحزاب تحتاج لمن يفكّر لها


في مشهدٍ سياسيٍّ يزداد تعقيدًا وتشابكًا، لم يعد غريبًا أن نرى أحزابًا تستدعي إلى منصّاتها مفكّرين وكتّابًا لا ينتمون إليها تنظيميًا، بل قد يختلفون معها فكريًا في كثير من المنطلقات. غير أنّ هذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحًا داخل بعض أحزاب اليسار، التي كانت تاريخيًا تقدّم نفسها باعتبارها حاملة مشروع فكري متماسك، لا مجرّد إطار انتخابي.

لقد شهدنا في الآونة الأخيرة مبادراتٍ لندوات ولقاءات نظّمتها أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية وفدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، استُدعي إليها “مفكّرون” و”باحثون” من خارج هذه التنظيمات، بل من خارج مرجعيتها المذهبية أحيانًا، ليتناولوا قضايا تمسّ هويتها الفكرية وزاوية رؤيتها للإصلاح. وهنا لم يعد السؤال متعلقًا بمجرد انفتاح محمود على الرأي الآخر، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة أعمق: من يصوغ اليوم العقيدة المذهبية لهذه الأحزاب؟ ومن يحدّد أفقها النظري؟

إن الوجه الآخر لهذه الظاهرة لا يخلو من دلالات مقلقة. فعندما تتحوّل المنصّات الحزبية إلى فضاءاتٍ يستورد فيها الفكر من الخارج، بينما يبهت الصوت الداخلي أو يغيب، فإنّ ذلك يكشف عن أزمة إنتاجٍ فكريّ، حيث إن الحزب الذي يعجز عن إنجاب مفكّريه، سيظلّ في حاجةٍ دائمة إلى من يفكّر له، لا من يفكّر معه.

وإذا كانت هذه الأحزاب قد فرّطت في جزءٍ من رصيدها النضالي عبر تراجع حضور مناضليها وتآكل قواعدها الاجتماعية، فإنّ التفريط في بلورة عقيدتها المذهبية يمسّ جوهر وجودها. فالحزب، قبل أن يكون آلةً انتخابية، هو إطارٌ لإنتاج المعنى وتنظيم الإرادة الجماعية حول مشروع واضح المعالم. فإذا لم يعد قادرًا على التفكير من داخله، ولا على بلورة رؤيته بذاته، فماذا يتبقّى له كوظيفة سياسية وتاريخية؟

إنّ الرهان الأساسي اليوم أمام أحزاب اليسار هو استعادة قدرتها على أن تكون منتجةً للفكر لا مستهلكةً له، وصاحبة مشروع لا منصّةً مفتوحة لتعريف نفسها على ألسنة الآخرين. فالحزب الذي لا يفكّر لنفسه، سيجد نفسه حتما خارج معادلة التأثير، مهما ازدحمت قاعاته بالمتحدّثين.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق