في إحدى قرى إقليم أزيلال، حيث يتردد صدى الجبال كما لو كان نبضا للحياة اليومية، تنهمك حفيظة القوبع، بصبر وتمعُّن، في رص خيوط من الصوف. مختلفة ألوانها، لكنها مُتّسقة وأنيقة، تشكل تفاصيل الزربية التقليدية المغربية، هذه الحرفة النسوية الصامدة التي تتوارثها الأجيال وأضحت إحدى دعامات التمكين الاقتصادي للنساء.
تُشرف حفيظة على تعاونية “أدرا نيغاريون” للزربية التقليدية بمدينة أزيلال، واستطاعت أن تحول حرفة يدوية متوارثة عن الجدات إلى مشروع جماعي يمنح الأمل لنساء قرويات وجدن في العمل التعاوني فرصة للاستقلال الاقتصادي وتحسين ظروف العيش.
تضم التعاونية، التي تقودها هذه الأربعينية، نساء قرويات يجمعهن الصبر والحس المرهف، من بينهن أرامل ومعيلات لأسر، إضافة إلى نساء في وضعية إعاقة، في تجربة نسائية خالصة تقوم على التضامن وتقاسم الخبرة. والأهم، نقل هذا الموروث الحرفي التقليدي عبر الأجيال.
في حديثها لوكالة المغرب العربي للأنباء، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تتذكّرُ حفيظة القوبع بدايات هذا المشروع بكثير من الاعتزاز، بدءا من فكرة التأسيس التي انطلقت من نقاشات بين عدد من نساء المنطقة حول سبل تحسين دخلهن وخلق فرص للعمل من حرف خبرنها وتوارثنها عن الأمهات والجدات.
ومع عدم توفر الموارد الكافية للانطلاق، اعتمدت مؤسِّسات تعاونية “أدرا نيغاريون” على إمكاناتهن الذاتية، حيث جمعن مساهمات مالية بسيطة من مدخراتهن الخاصة لاقتناء المواد الأولية وإنجاز أولى الطلبيات، في خطوة تعكس روح المبادرة والاعتماد على الذات التي طبعت هذه التجربة منذ بدايتها.
تؤكد القوبع في حديثها للوكالة أن اختيار الزربية كمُنتج رئيسي في التعاونية كان انطلاقا من طابعها الخاص وحضورها في كل بيت، مع أدوات الغزل والنسج، التي توثق ارتباط النساء المغربيات، وخاصة في البوادي، بالزربية كحرفة تقليدية وكمتنفس تُعبرن من خلاله عن أحاسيسهن ومهاراتهن.
حُب حفيظة لهذه الصناعة الأصيلة كان حافزا لها ولأعضاء التعاونية النسوية إلى تطوير المعارف والمهارات في نسيج الزرابي، ولا سيما عبر المشاركة في دورات تكوينية نظمتها مؤسسات متخصصة في الصناعة التقليدية، من ضمنها “دار الصانع”، والهدف تعزيز القدرات في التسيير والتسويق وتحسين جودة الإنتاج.
لم تكن طريق حفيظة وزميلاتها سهلة في البداية، إذ واجهت التعاونية تحديات عدة، خاصة ما يتعلق بنقص المعدات وصعوبة تسويق المُنتجات. ومع مرور الوقت، تحولن هذه الصعاب إلى حافز لمضاعفة الجهود والاستفادة، على الخصوص، من الدعم الذي تقدمه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والذي مكن التعاونية من اقتناء مُعدات أسهمت في تحسين ظروف الإنتاج والرفع من جودته.
وبروح منفتحة على العصر، سعت حفيظة القوبع إلى استثمار أدوات التسويق الرقمي للتعريف بمُنتجات التعاونية، حيث تمكنت من عرض الزربية “الأزيلالية” وأنواع أخرى من السجاد الأمازيغي عبر منصات إلكترونية دولية ومنصات التواصل الاجتماعي، ما أتاح لهذه الحرفة المحلية أن تجد طريقها إلى أسواق خارج المغرب.
وبفضل هذه الجهود، أصبحت التعاونية فضاء حقيقيا للتمكين الاقتصادي والاجتماعي، وما فتئت تستقطب منخرطات جديدات يسعين إلى تحقيق قدر من الاستقلال المالي ودعم أسرهن في مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
وتجسد تجربة حفيظة القوبع وكافة صانعات الزربية المُبدعات نموذج المرأة القروية المثابرة التي استطاعت، بإرادة هادئة وعمل متواصل، أن تحول المنسج إلى جسر نحو الأمل والتنمية. ففي كل قطعة تنسجها أنامل “أدرا نيغاريون”، تتوارى حكاية كفاح، وتتجلى أيضا ملامح مستقبل تنسجه نساء الجبال بخيوط العمل والإبداع.
