في ظل حرب الشرق الأوسط.. ما هي تحديات المملكة لضمان ” خبز المغاربة” في بلد يستورد أكثر من 7 ملايين طن من القمح؟

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
في ظل حرب الشرق الأوسط.. ما هي تحديات المملكة لضمان ” خبز المغاربة” في بلد يستورد أكثر من 7 ملايين طن من القمح؟


مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط واهتزاز طرق التجارة العالمية، يعود القمح ليطرح نفسه كأحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمغرب الذي يعتمد على الأسواق الدولية لتأمين ملايين الأطنان من هذه المادة الحيوية كل عام، إذ بدأت تبرز مخاوف من أن تتحول تداعيات الصراع بعيدا عن جغرافيته إلى ضغط مباشر على فاتورة الحبوب في بلد يشكل الخبز فيه أحد أعمدة الاستقرار الغذائي.

ومعروف أن الحروب لا تبقى محصورة في جغرافية القتال، بل تمتد آثارها سريعا إلى الأسواق الدولية عبر أسعار الطاقة والنقل والتأمين البحري، وهي عناصر ترتبط بشكل وثيق بتجارة السلع الأساسية، وعلى رأسها القمح، وهو ما يعني أن المغرب، الذي يعد من أكبر مستوردي الحبوب في القارة الإفريقية ويعتمد بشكل كبير على الخارج لتأمين جزء مهم من احتياجاته الغذائية سيتأثر في حالة استمرت الحرب في الشرق الأوسط بما يجعل الوضع يتحول في نهاية المطاف إلى عامل ضغط جديد على فاتورة الغذاء في البلاد، وربما إلى تحدٍ إضافي في معادلة استقرار الأسعار في السوق المحلية.

والقمح، يحتل مكانة مركزية في النظام الغذائي المغربي، إذ تشكل المنتجات المشتقة منه، وعلى رأسها الخبز والدقيق، أحد الأعمدة الأساسية للاستهلاك اليومي للأسر المغربية، إذ تشير تقارير زراعية واقتصادية دولية إلى أن المغرب يستورد سنويا كميات كبيرة من الحبوب لتعويض تذبذب الإنتاج المحلي المرتبط أساسا بالتقلبات المناخية وتوالي سنوات الجفاف.

ووفق تقديرات الأسواق الدولية للحبوب، يُتوقع أن تصل واردات المغرب من القمح خلال الموسم الفلاحي 2025-2026 إلى ما بين سبعة وسبعة ملايين ونصف المليون طن، وهي مستويات مرتفعة تعكس استمرار اعتماد المملكة على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها الغذائية.

كما تشير بيانات التجارة الدولية إلى أن المغرب استورد خلال الفترة الممتدة بين يونيو 2025 ويناير 2026 حوالي سبعة ملايين طن من الحبوب، بينها أكثر من ثلاثة ملايين طن من القمح اللين، وهو النوع الأكثر استخداما في صناعة الدقيق والخبز.

وتتوزع واردات المغرب من القمح بين عدد من الموردين الدوليين، في مقدمتهم فرنسا التي ظلت لسنوات المورد الأول للقمح اللين إلى السوق المغربية، تليها روسيا التي عززت حضورها بشكل متزايد في السنوات الأخيرة بفضل الأسعار التنافسية للحبوب الروسية في الأسواق العالمية.

وتشير تقديرات مهنية أوروبية إلى أن صادرات القمح الفرنسي نحو المغرب قد تصل خلال موسم 2025-2026 إلى نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون طن، أي ما يعادل أكثر من ستين في المائة من واردات المغرب من القمح اللين.

 غير أن روسيا، التي أصبحت أحد أكبر مصدري الحبوب في العالم، بدأت في المقابل تحقق اختراقا تدريجيا في هذه السوق، حيث تظهر بيانات التجارة الدولية أن واردات المغرب من القمح الروسي ارتفعت بأكثر من ضعفين خلال السنوات الأخيرة، بينما بلغت قيمة هذه الواردات حوالي 301 مليون دولار سنة 2024، وهو ما يعكس التحول التدريجي في خريطة المنافسة بين كبار مصدري الحبوب في العالم على السوق المغربية.

ورغم أن معظم القمح الذي يستورده المغرب يأتي من أوروبا ومنطقة البحر الأسود، أي من مناطق بعيدة نسبيا عن مسرح العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، إلا أن الحرب الجارية في المنطقة قد تؤثر بشكل غير مباشر على تجارة الحبوب عبر عدة آليات اقتصادية مترابطة، فالتوترات العسكرية في الخليج غالبا ما تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وهو ما ينعكس بدوره على تكلفة إنتاج ونقل السلع الزراعية.

والزراعة الحديثة تعتمد بشكل كبير على الطاقة، سواء في إنتاج الأسمدة أو في تشغيل المعدات الزراعية أو في نقل الحبوب عبر السفن والشاحنات وبالتالي عندما ترتفع أسعار النفط، ترتفع معها تكلفة سلسلة الإمداد الغذائي بكاملها، من الحقول الزراعية إلى الموانئ والأسواق الاستهلاكية.

إلى جانب عامل الطاقة، تلعب حركة الملاحة البحرية دورا حاسما في تحديد تكلفة السلع الغذائية في العالم، فالحرب في الشرق الأوسط رفعت مستوى المخاطر الأمنية في عدد من الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، وهي ممرات تمر عبرها نسبة مهمة من التجارة العالمية.

وقد دفعت هذه المخاطر عددا من شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها البحرية ورفع تكاليف التأمين على السفن، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة تكلفة نقل السلع الأساسية بما في ذلك الحبوب وحتى عندما لا تمر شحنات القمح المتجهة إلى المغرب عبر هذه الممرات تحديدا، فإن اضطراب حركة الشحن العالمية ينعكس على أسعار النقل في السوق الدولية بأكملها، لأن قطاع الشحن البحري يعمل وفق منظومة مترابطة تتأثر بسرعة بأي خلل في أحد مساراته الرئيسية.

بالنسبة للمغرب، لا تكمن المشكلة الأساسية في توفر القمح في الأسواق الدولية إذ لا تزال هذه الأسواق تعرف وفرة نسبية في العرض بفضل الإنتاج الكبير في أوروبا وروسيا وأمريكا الشمالية، لكن التحدي الحقيقي يتعلق بارتفاع تكلفة الاستيراد، فزيادة أسعار الطاقة والشحن والتأمين البحري قد تؤدي إلى ارتفاع فاتورة استيراد الحبوب وهو ما يضع ضغوطا إضافية على الميزان التجاري وعلى المالية العمومية، خصوصا في ظل استمرار الدولة في دعم أسعار بعض المواد الأساسية لضمان استقرار السوق الداخلية.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن أي ارتفاع في أسعار القمح في السوق العالمية يمكن أن يترجم سريعا إلى زيادة بمئات ملايين الدولارات في فاتورة الاستيراد بالنسبة للدول التي تعتمد بشكل كبير على الواردات مثل المغرب.

وفي مواجهة هذه التحديات، تحرص السلطات المغربية على متابعة تطورات سوق الحبوب العالمية عن كثب واتخاذ إجراءات استباقية لضمان استقرار السوق المحلية وقد قررت الحكومة تمديد برنامج دعم استيراد القمح اللين إلى غاية نهاية أبريل 2026، وهو إجراء يهدف إلى تمكين مطاحن الحبوب الصناعية من استيراد القمح بأسعار مدعومة للحفاظ على استقرار أسعار الدقيق في السوق الوطنية.

ويأتي هذا القرار في سياق سياسة تهدف إلى تأمين المخزون الاستراتيجي من الحبوب وتفادي أي اضطرابات محتملة في أسعار المواد الغذائية الأساسية، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الدولية.

في الوقت نفسه، تعول السلطات أيضا على تحسن الإنتاج الزراعي المحلي بعد الأمطار التي شهدتها عدة مناطق في المغرب خلال الموسم الفلاحي الحالي.

وتشير بعض التقديرات الزراعية إلى إمكانية ارتفاع إنتاج القمح خلال سنة 2026 إلى نحو خمسة ملايين طن، مقارنة بحوالي 2.4 مليون طن في الموسم السابق الذي تأثر بشكل كبير بالجفاف غير أن هذا التحسن المحتمل، حتى لو تحقق لن يكون كافيا لتقليص الاعتماد الكبير على الواردات، نظرا لارتفاع الاستهلاك المحلي للحبوب وتزايد الطلب على المنتجات الغذائية المرتبطة بالقمح.

من جهة ثانية، وفي محاولة لاستجلاء موقف الحكومة من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على إمدادات القمح إلى المغرب واحتمالات انعكاسها على الأسعار في السوق الوطنية، حاولت “الصحيفة” التواصل مع عدد من الجهات الحكومية المعنية بالملف، وفي مقدمتها وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ووزارة الاقتصاد والمالية، إضافة إلى وزارة الصناعة والتجارة، من أجل الحصول على توضيحات رسمية بشأن ما إذا كانت السلطات تتوفر على تقديرات أو إجراءات استباقية لمواجهة أي اضطراب محتمل في سوق الحبوب العالمية.

غير أن الاتصالات التي أجرتها “الصحيفة” مع هذه الجهات لم تتلقَّ أي تفاعل أو رد رسمي إلى حدود لحظة إعداد هذا التقرير سواء عبر الهاتف أو عبر الرسائل الموجهة إلى المصالح المعنية، وهو ما يترك عددا من الأسئلة المطروحة حول كيفية قراءة الحكومة لتداعيات هذه التطورات الجيوسياسية على الأمن الغذائي للمملكة مفتوحة في انتظار صدور موقف رسمي يوضح حجم المخاطر المحتملة والإجراءات التي قد تكون الدولة بصدد إعدادها لضمان استقرار إمدادات القمح والأسعار في السوق الداخلية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق