أزمة صامتة في سوق الدواء بالمغرب.. 4 آلاف صيدلية على حافة الإفلاس ومجلس المنافسة يحذر من هشاشة خطيرة في منظومة توزيع الأدوية

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
أزمة صامتة في سوق الدواء بالمغرب.. 4 آلاف صيدلية على حافة الإفلاس ومجلس المنافسة يحذر من هشاشة خطيرة في منظومة توزيع الأدوية


يواجه قطاع الصيدليات في المغرب واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، في ظل مؤشرات مقلقة حول هشاشة النموذج الاقتصادي الذي يقوم عليه توزيع الأدوية، سواء على مستوى البيع بالجملة أو عبر الصيدليات نفسها.

ووفق ما أكدته معطيات حديثة صادرة عن مجلس المنافسة، عرضها اليوم الثلاثاء في ندوة صحفية، حول وضعية المنافسة في أسواق توزيع الأدوية بالمغرب، فإن نحو أربعة آلاف صيدلية توجد اليوم على حافة الإفلاس نتيجة تراكم صعوبات مالية واقتصادية، في سياق يتسم بارتفاع التكاليف التشغيلية وتراجع مستويات الربحية داخل منظومة توزيع الدواء.

وفي تقرير قدمه المجلس حول واقع السوق الدوائية بالمغرب، تم الكشف عن مفارقة لافتة داخل القطاع، إذ رغم أن رقم معاملات موزعي الأدوية بالجملة في المغرب عرف ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا النمو لم ينعكس بشكل فعلي على الربحية، التي ظلت ضعيفة ومتقلبة.

 وسجل المجلس عن ارتفاع رقم معاملات موزعي الأدوية من 9.68 مليارات درهم سنة 2016 إلى نحو 16.26 مليار درهم سنة 2024، غير أن النتائج الصافية الإجمالية بقيت محدودة للغاية، إذ لم تتجاوز نسبة الربح الصافي 0.13 في المائة سنة 2016 لترتفع بشكل طفيف فقط إلى 0.15 في المائة سنة 2024.

ويرى مجلس المنافسة أن هذه الوضعية تعكس اختلالات بنيوية تؤثر بشكل مباشر على الجدوى الاقتصادية للقطاع خاصة على مستوى نموذج التعويض المعتمد في توزيع الأدوية، فالموزعون يعتمدون أساسا على هامش مرتبط بسعر الدواء كمصدر رئيسي للدخل وهو نظام لا يعكس التكاليف الحقيقية التي يتحملها الفاعلون في هذه السلسلة اللوجستية المعقدة.

وبحسب التقرير، فإن الهوامش المعتمدة في المغرب لا تأخذ بعين الاعتبار التكاليف الفعلية للنشاط مثل تكاليف النقل والوقود وأجور العاملين ومصاريف التخزين، وهي عناصر شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه التكاليف التشغيلية بنحو 36 في المائة بين سنتي 2020 و2024، عرفت أسعار عدد من الأدوية انخفاضات متتالية نتيجة سياسات مراجعة الأسعار، وهو ما أدى إلى تضييق هامش الربح أكثر فأكثر على موزعي الأدوية بالجملة.

وفي إطار تقييمه لوضعية السوق المغربية، أجرى مجلس المنافسة مقارنة مرجعية مع أنظمة تعويض موزعي الأدوية في عدد من الدول الأوروبية، وأظهرت هذه المقارنة أن العديد من البلدان تعتمد نظاما مزدوجا للتعويض يجمع بين هامش نسبي مرتبط بسعر الدواء وتعويض ثابت عن كل علبة دواء يتم توزيعها، كما هو الحال في بلجيكا وألمانيا وإسبانيا والبرتغال، أما في المغرب فيقتصر التعويض في الغالب على هامش يتراوح بين 2 في المائة و11 في المائة من سعر الدواء دون وجود تعويض ثابت عن كل وحدة، وهو ما يزيد من هشاشة النموذج الاقتصادي للموزعين.

ومن بين الإشكالات الأخرى التي أشار إليها التقرير ارتفاع تكلفة تجميد المخزون لدى موزعي الأدوية بالجملة، فالتشريعات التنظيمية تفرض على هؤلاء الموزعين الاحتفاظ بما يسمى “مخزون الأمان” الذي يعادل شهرا كاملا من مبيعات السنة السابقة ويغطي ما لا يقل عن 80 في المائة من الأدوية المرخصة في السوق، غير أن هذا الالتزام التنظيمي يفرض أعباء مالية إضافية على الشركات خاصة في ظل طول مدة دوران المخزون التي بلغت في المتوسط شهرين وعشرة أيام خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2024.

كما سجل مجلس المنافسة اختلالا واضحا في آجال الأداء داخل سلسلة توزيع الأدويةفالموزعون يؤدون مستحقاتهم للمصنعين والموردين في أجل يصل في المتوسط إلى 81 يوما في حين يمتد أجل تحصيل مستحقاتهم من الصيدليات إلى حوالي 97 يوما.

ويزداد هذا الوضع تعقيدا بسبب عدم تماثل تطبيق قانون آجال الأداء داخل القطاع إذ يشمل القانون الموزعين دون أن ينطبق بنفس الصرامة على الصيادلة وهو ما يخلق اختلالا في التوازن المالي لسلسلة التوزيع.

وتشير المعطيات إلى أن 90 في المائة من الصيدليات في المغرب لا يتجاوز رقم معاملاتها السنوي مليوني درهم، وهو ما يعكس هشاشة كبيرة في البنية الاقتصادية للقطاع خصوصا بالنسبة للصيدليات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الأغلبية الساحقة داخل السوق.

وفي ما يتعلق بتنظيم قطاع الصيدليات، أوضح التقرير أن المغرب يعتمد نظاما مهنيا مغلقا يخصص ملكية الصيدليات حصرا للصيادلة مع منع أي شكل من أشكال التملك أو السيطرة من طرف غير المهنيين، كما أن فتح الصيدليات يخضع لترخيص إداري مسبق يمنحه عامل العمالة أو الإقليم إضافة إلى احترام مجموعة من المعايير الجغرافية والديمغرافية الصارمة.

ومن بين هذه المعايير ضرورة احترام مسافة دنيا بين الصيدليات تبلغ عادة نحو 300 متر، إضافة إلى إلزامية إدارة كل صيدلية من طرف صيدلي حاصل على الصفة القانونية ومسجل لدى هيئة الصيادلة، كما يخضع القطاع لقيود تنظيمية أخرى تتعلق بأوقات العمل ونظام المداومة.

ووفق المعطيات التي كشف عنها مجلس المنافسة، يبلغ إجمالي عدد الصيدليات في المغرب 14 ألفا و134 صيدلية في حين يصل عدد الصيادلة المسجلين في هيئة الصيادلة إلى 14 ألفا و191 صيدليا سنة 2025 وتبلغ كثافة الصيادلة في المغرب حوالي 38.5 صيادلة لكل 100 ألف نسمة، فيما تصل كثافة الصيدليات إلى 38.4 صيدليات لكل 100 ألف نسمة، وهو ما يعني أن المعدل يقارب صيدليا واحدا لكل صيدلية.

ورغم هذا الانتشار الواسع للصيدليات عبر التراب الوطني، فإن مستوى استهلاك الأدوية في المغرب لا يزال منخفضا نسبيا مقارنة بعدد من الدول إذ يبلغ في المتوسط حوالي 640 درهما للفرد سنة 2024.

ويشير التقرير إلى أن هذا المستوى المحدود للاستهلاك يزيد من الضغط على النموذج الاقتصادي للصيدليات، خاصة في ظل ارتفاع التكاليف التشغيلية.

أما بالنسبة لنشاط توزيع الأدوية بالتقسيط عبر الصيدليات، فقد أظهر التقرير أن هذا النشاط يخضع بدوره لقيود تنظيمية صارمة ويعرف تراجعا ملحوظا في مستويات الربحية فقد انخفضت نسبة الدخل المهني إلى رقم المعاملات من 10.3 في المائة سنة 2016 إلى 8.9 في المائة سنة 2024، رغم تسجيل ارتفاع في رقم المعاملات الإجمالي خلال الفترة نفسها.

وتوضح البيانات أن رقم معاملات الصيدليات ارتفع من 11.12 مليار درهم سنة 2016 مع دخل مهني بلغ 1.16 مليار درهم، إلى 13.53 مليار درهم سنة 2024، غير أن الدخل المهني لم يرتفع سوى بشكل طفيف ليبلغ 1.21 مليار درهم، وهو ما يعكس تقلص هامش الربحية الفعلية داخل القطاع.

وتكشف بنية السوق الصيدلانية في المغرب عن تفاوت كبير في توزيع رقم المعاملات بين الصيدليات فحوالي 70 في المائة من الصيدليات تحقق رقم معاملات سنويا يقل عن 1.2 مليون درهم، بينما يتراوح رقم معاملات 20 في المائة منها بين 1.2 و2.5 مليون درهم أما الصيدليات التي يتجاوز رقم معاملاتها السنوي 2.5 مليون درهم فلا تمثل سوى 10 في المائة فقط من مجموع الصيدليات.

وترسم هذه المؤشرات مجتمعة التي أوردها مجلس المنافسة صورة قطاع يواجه تحديات هيكلية عميقة حيث تتقاطع القيود التنظيمية الصارمة مع ارتفاع التكاليف وضعف هوامش الربح، في وقت يتزايد فيه الضغط الاقتصادي على الصيدليات والموزعين على حد سواء.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق