خلص تقرير صادر عن المنظمة المغربية لحقوق الإنسان حول ملاحظة مجريات المحاكمة المرتبطة بأحداث نهائي كأس إفريقيا، التي نظرتها المحكمة الابتدائية بالرباط، إلى أن أطوار هذه المحاكمة استجابت في مجملها للمبادئ الدستورية والكونية للمحاكمة العادلة، وذلك استنادا إلى ما رصده ملاحظو المنظمة خلال مختلف الجلسات التي عقدت للنظر في الملف.
وأوضح التقرير أن الهيئة القضائية تعاملت مع الملف في إطار يضمن استقلاليتها وحيادها تجاه مختلف الأطراف، مع الحرص على المعاملة المتساوية بين الدفاع والنيابة العامة والأطراف المدنية. كما سجل الملاحظون التزام المحكمة باحترام قرينة البراءة من خلال اعتماد الوصف القانوني “المتهمين” أثناء مخاطبتهم، وتمكينهم من بسط أجوبتهم على الأسئلة الموجهة إليهم في ظروف اعتبرتها المنظمة ملائمة وتتيح لهم التعبير بحرية.
وبحسب التقرير، فقد تمكن دفاع المتهمين والأطراف المدنية من تقديم مرافعاتهم في ظروف عادية، حيث منح المحامون الوقت الكافي لبسط دفوعاتهم دون مقاطعة، مع تمكينهم من حق التعقيب كلما التمسوا ذلك، وهو ما اعتبرته المنظمة مؤشرا على احترام حق الدفاع كأحد الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
وتناول التقرير السياق العام لملاحظة المحاكمة، مشيرا إلى أن رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان راسل المسؤولين القضائيين قبل انطلاق عملية الملاحظة، سواء رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط أو وكيل الملك لديها، لإشعارهم بحضور ملاحظي المنظمة ومباشرتهم لعملية التتبع في إطار احترام القانون والسير العادي للجلسات.
كما قام رئيس المنظمة، نوفل البعمري، بزيارة المحكمة يوم حضور الملاحظين، حيث التقى رئيس المحكمة الابتدائية وأبلغه بوجود فريق الملاحظة، مؤكدا أن عملية التتبع ستتم في إطار احترام القواعد القانونية المنظمة للجلسات.
ويتعلق الملف، الذي يحمل رقم 95/2103/2026، بقضية جنحية في حالة تلبس نظرتها المحكمة الابتدائية بالرباط. وعقدت جلساته بقاعة رقم 9 بالمحكمة ذاتها، ابتداء من 22 يناير 2026، مرورا بجلسات 29 يناير و5 فبراير و12 فبراير، وصولا إلى الجلسة الأخيرة المنعقدة في 19 فبراير، التي جرى خلالها حجز الملف للمداولة والنطق بالحكم في اليوم نفسه.
وضمت الهيئة القضائية التي نظرت في القضية القاضي عبد الرزاق رفيق رئيسا، وعضوية القاضيتين نادية المصمودي وسلمى الإدريسي، فيما مثل النيابة العامة زكرياء جبارة نائب وكيل الملك.
وشملت لائحة المطالبين بالحق المدني الدولة المغربية في شخص رئيس الحكومة، ووزارة الداخلية، والوكيل القضائي للمملكة، والمديرية العامة للأمن الوطني، إضافة إلى عدد من الأشخاص، في حين ضمت لائحة المتهمين 19 شخصا، من بينهم 18 من جنسية سنغالية ومتّهم واحد من أصول جزائرية يحمل الجنسية الفرنسية.
وأشار التقرير إلى أن جلسات المحاكمة كانت علنية ومفتوحة أمام العموم، حيث جرى فتح المدخل الرئيسي للمحكمة وأبواب قاعة الجلسة أمام الحضور دون قيود. كما تراوح عدد الحاضرين بين 20 و60 شخصا بحسب كل جلسة، دون تسجيل أي تشويش على سير المحاكمة، وهو ما وفر –بحسب التقرير– ظروفا مناسبة للاستماع إلى مختلف الأطراف.
كما سجل ملاحظو المنظمة حضور مراقبين من المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إلى جانب عدد من الصحفيين الذين تابعوا مجريات المحاكمة، في حين تولت عناصر الأمن تأمين المحكمة وقاعة الجلسات في إطار ما وصفه التقرير باحترام البروتوكول الأمني المعمول به دون تسجيل أي تجاوزات.
وفي ما يتعلق بالمعايير الإجرائية للمحاكمة العادلة، رصد التقرير احترام مبدأ المواجهة، حيث جرى إخبار المتهمين بالتهم الموجهة إليهم ومواجهتهم بها خلال جلسة 12 فبراير 2026، مع توفير الترجمة لهم بالنظر إلى كونهم أجانب. وقد حضر مترجم محلف للترجمة من اللغة الفرنسية إلى العربية، فيما جرى الاستعانة بمترجم إضافي للترجمة من لهجة “ألوف” إلى الفرنسية بالنسبة لمتهمين اثنين.
وخلال الجلسة نفسها، تم التأكد من هوية المتهمين، قبل الشروع في مناقشة الملف واستنطاقهم بشأن التهم المنسوبة إليهم، حيث أكد التقرير أنهم استفادوا من الوقت الكافي للإجابة عن أسئلة المحكمة دون مقاطعة.
كما تطرقت المنظمة إلى الدفوع الشكلية التي أثارها دفاع أحد المتهمين، والمتعلقة أساسا بانعدام حالة التلبس، وبطلان محاضر الإيقاف بسبب ما اعتبره تناقضا في التوقيت الوارد فيها، إضافة إلى الدفع بعدم احترام بعض الإجراءات المرتبطة بالإخبار بسبب الإيقاف أو الاستعانة بمترجم أثناء البحث التمهيدي.
وردت النيابة العامة على هذه الدفوع معتبرة أن الاستعانة بمترجم ليست شرطا إلزاميا إذا كان الموقوف يفهم اللغة المستعملة في البحث، كما اعتبرت أن التناقضات المثارة في محاضر الضابطة القضائية لا يمكن الجزم بها في غياب الأطراف لحظة تحريرها، ملتمسة رد الدفوع والاستمرار في مناقشة الملف. وبعد المداولة، قررت المحكمة ضم الدفوع الشكلية إلى الموضوع.
أما على مستوى الحق في الدفاع، فقد سجل التقرير أن المتهمين تمسكوا في عدة جلسات بحضور محاميهم، وهو ما أدى إلى تأخير الملف في مناسبتين بسبب قرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية الذي اتخذته جمعية هيئات المحامين بالمغرب آنذاك.
وخلال الجلسة المنعقدة في 12 فبراير، حضر محامي أحد المتهمين فقط، في حين تخلف باقي المحامين بسبب استمرار قرار التوقف، غير أن المتهمين أعلنوا استعدادهم لمناقشة الملف رغم غياب دفاعهم.
وبحسب التقرير، فإن جلسة 19 فبراير 2026، التي خصصت للمرافعات، شهدت حضور جميع المحامين، حيث قدم دفاع المتهمين ودفاع الأطراف المدنية والنيابة العامة مرافعاتهم في ظروف عادية، دون تسجيل أي توتر بين الهيئة القضائية والمحامين.
كما استجابت المحكمة لملتمس تقدم به دفاع المتهمين للسماح لهم بالجلوس أثناء الجلسة نظرا لتزامنها مع أول أيام شهر رمضان، وهو الطلب الذي قبلته المحكمة فورا.
وسجل التقرير أن سلوك مختلف الفاعلين داخل الجلسات اتسم بالاحترام المتبادل، حيث حافظت الهيئة القضائية على حيادها، فيما التزمت النيابة العامة والدفاع بضوابط الجلسة دون تسجيل أي خروقات.
أما بخصوص أوضاع المتهمين، فقد لاحظ ملاحظو المنظمة أنهم كانوا في حالة صحية عادية خلال معظم الجلسات، باستثناء حالة واحدة خلال جلسة 5 فبراير، حين ظهرت علامات المرض على أحد المتهمين، ما دفع رئيس الجلسة إلى استدعاء طبيبة مصحة المحكمة التي أشرفت على حالته ونقلته لتلقي الإسعافات.
وبخصوص التصريحات التي أدلى بها المتهمون أمام المحكمة، فقد اتجه معظمها إلى إنكار التهم المنسوبة إليهم، بينما أفاد بعضهم بأن دخولهم إلى أرضية الملعب كان بهدف إعادة مشجعين آخرين إلى المدرجات أو لاسترجاع أغراض سقطت منهم، في حين قال آخرون إنهم سقطوا داخل الملعب بعد تعرضهم للدفع.
وأشار التقرير أيضا إلى أن بعض المتهمين عبّروا عن أسفهم لما وقع خلال المباراة، وقدموا اعتذارا عما حدث، فيما نوه آخرون بالعلاقات الجيدة التي تجمع بلدهم السنغال بالمملكة المغربية.
وفي ما يتعلق بالإطار الزمني للمحاكمة، بيّن التقرير أن الملف عرف خمس جلسات امتدت من 22 يناير إلى 19 فبراير 2026، حيث استغرقت مناقشة الملف مع المتهمين نحو ثلاث ساعات في إحدى الجلسات، فيما استغرقت مرافعات الأطراف في الجلسة الأخيرة ما يقارب ثلاث ساعات أيضا.
وفي ختام الجلسة الأخيرة، رفعت الهيئة القضائية الجلسة للمداولة، قبل أن تعود إلى قاعة المحكمة في حدود الساعة السادسة وخمس وأربعين دقيقة مساء للنطق بالأحكام الصادرة في حق المتهمين.
