“لن تخيب، عبد الرحيم، الرجل الذي يجلس اليوم على العرش لا يشبه ولي العهد الذي عرفته في شيء”. بهذه الكلمات حاول الملك الراحل، الحسن الثاني، طمأنة أعضاء حزب الاتحاد الوطني للقوت الشعبية عبر زعيمهم، عبد الرحيم بوعبيد، في محادثة جرت صباح جنازة “أب الأمة”، الملك محمد الخامس، في ما يشبه رسالة سياسية مباشرة من الجالس الجديد على العرش لأحد أشد معارضيه (بوعبيد)، بعد الخلاف القوي حول إعفاء حكومة عبدالله إبراهيم، الذي لم يتجرعه أنصار “الاتحاد الوطني”.
وروى الزعيم الاتحادي، عبد الرحيم بوعبيد، في مذكراته السياسية “شهادات وتأملات”، عن تفاصيل يوم وفاة الملك الراحل، محمد الخامس، وسفره من العاصمة الفرنسية،باريس إلى الرباط فور علمه بالخبر، من أجل حضور جنازة ملك عايش فترة الاستعمار واحتفى بالاستقلال بعد العودة من المنفى في نونبر 1955.
وتتوقف شهادة بوعبيد عند اللحظات الأولى لجلوس الحسن الثاني على العرش وانتقال السلطة إليه، وما حمتله تلك اللحظة من مؤشرات سياسية على تَحَوُّل في عقلية إدارة الدولة، مع استمرار مسار البناء المؤسساتي لمغرب ما بعد الاستقلال وتدبير المشهد السياسي، وفق منظور ملك جديد، مقبل على قيادة مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد.
وتتناول رابع حلقات السلسلة الرمضانية “ذاكرة بوعبيد”، التي تنشرها جريدة “مدار21” الإلكترونية، شهادة حية لقائد حزبي وشخصية سياسية كبيرة في التاريخ المغربي الحديث عن مرحلة انتقال السلطة من يد الملك الراحل، محمد الخامس، إلى ابنه، الحسن الثاني، وما استتبع تلك المرحلة من تدافعات سياسية واختلاف وجهات النظر حول مستقبل بلد حديث العهد بالاستقلال.
مراسم جنازة “أب الأمة”
يحكي عبد الرحيم بوعبيد عن ذلك اليوم وذاك الصباح الاستثنائي، صباح جنازة الملك الراحل محمد الخامس، أن الملك الحسن الثاني، استقبله في جلسة رسمية لأول مرة، بعد حادث وفاة محمد الخامس، في الـ26 من فبراير 1961.
بوعبيد وفي صفحات مذكرته السياسية، يسترجع تفاصيل ذلك اليوم، بالإشارة إلى أنه التزم، عند لقائه الأول بالملك الجديد، بالبروتوكول الذي اعتاد عليه مع الملك الراحل (محمد الخامس)، وأن الملك الحسن الثاني شكره على البرقية التي أرسلها له عقب علمه بموت الملك محمد الخامس، وطمأنه بوعيه بالإرث الثقيل الذي آل إليه (إرث مدرسة محمد الخامس).
وتعود تفاصيل الرسالة التي شكر الحسن الثاني عليها بوعبيد إلى اللحظات الأولى بعد الإعلان عن وفاة الملك محمد الخامس. فقد كان حينها، كما تروي شهادته، في العاصمة باريس، وقرر العودة في اليوم الموالي بعد علمه بالوفاة. ليقوم فوراً بإرسال رسالة تيلغرافية للملك الجديد، الحسن الثاني، يُذكر فيها، من بين أشياء أخرى، بواجب المغاربة أن يظلوا أوفياء لمدرسة محمد الخامس.
ومما يسترجعه بوعبيد، قول الحسن الثاني في ذلك اللقاء الأول، بعدما أصبح ملكا للبلاد: “كلنا تربينا في مدرسة محمد الخامس”، ويواصل مؤكداً لبوعبيد: “سأفعل كل شيء كي نظل أوفياء”.
ويُورِد بوعبيد أنه أعرب بدوره عن الأمل في متابعة بناء مغرب جديد وديمقراطي، مخاظباً الملك الحسن الثاني بقول صريح: “كل أبناء جيلي يشعرون بألم عميق، كأنه شرخ شخصي. مثل كثيرين غيري، كان والدكم أبًا لنا، وكان جزءًا من حياتي منذ سن الواحد والعشرين. خلال كل المحن، كنا نشعر بحضوره الدائم في قلوبنا وخطواتنا وآمالنا. نحن ننتظر منكم الكثير، صاحب الجلالة”.
ويستذكر بوعبيد رد الحسن الثاني، الذي أجابه: “لن تخيب عبد الرحيم. الرجل الذي يجلس اليوم على العرش لا يشبه ولي العهد الذي عرفته في شيء. ثم أنا أتمنى أن نستطيع أن نرى بعضنا، خلال بضعة أيام، كي نقوم بلمحة عامة أكثر اكتمالاً”.
يقول عبد الرحيم بوعبيد أن الجلسة قد انتهت بتلميح الحسن الثاني لقرب لقاء ثان بينهما، كان يراه مناسبة ثانية لاستكمال المحادثة مع الملك الجديد. ويؤكد القائد في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أنه في هذه اللحظات كان الشعب المغربي يعيش حدادًا عميقًا، إذ شكل إعلان الوفاة صدمة هائلة، كأنها زلزال مفاجئ.
وحول تفاصيل وفاة الملك محمد الخامس، يروي السياسي البارز في تلك المرحلة أن المعلومات الطبية بدأت تتسرب بعد الجنازة تدريجيًا، وكأنها تمر عبر قطارة، مشيراً في هذا الصدد إلى البيان الصادر عن الأطباء الذي اعتبره، بعيدًا عن الوضوح التام، مؤكدًا أن من حضر من أطباء كان يقول إن العملية كانت حميدة وعادية.
ويضيف بوعبيد، وفق نفس المعلومات المسربة، أنه كان بالإمكان الاستغناء عن العملية الجراحية التي أثارت الكثير من الغموض حول الإجراءات الطبية، بما في ذلك غياب اختبار المواد والجرعات المعتادة، وعدم توفر طبيب قلب متخصص ضمن الفريق الطبي.
ووسط هذا الغموض، يبرز بوعبيد، في مذكرته، موقف بروفيسورين فرنسيين اثنين، أعلنوا لاحقًا أنهم عارضوا إجراء العملية وامتنعوا عن حضورها.
الحسن الثاني على العرش
مرت جنازة الملك الراحل محمد الخامس، وانتقل بوعبيد، في سرده، إلى رواية ما أعقبها من أحداث بنت معها مغرب عهد الملك الحسن الثاني، حيث استرجع أول جلسة رسمية للحسن الثاني بعد اعتلائه العرش، حين تلقى دعوة للذهاب إلى القصر الملكي بداية شهر مارس، واضطر لإقناع عبد الرحمن اليوسفي ومحمد البصري، زميليه في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، بالانضمام إلى الوفد الذي سيلتقي بالملك الجديد، وهو ما تم حينما استقبلهم الملك، الحسن الثاني، وطلب منهم تطوير الخطوط العريضة لوجهة نظرهم.
يقول بوعبيد أنه أجاب تقريبًا بهذه الكلمات: “صاحب الجلالة، الشغل الشاغل لمنظمتنا هو بناء اقتصاد البلد، الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والثقافية، والسياسة الخارجية بشكل واضح”.
وينتقل خطاب بوعبيد للحسن الثاني إلى ربط طموحات “الاتحاديين” بالبناء المؤسساتي لمغرب ما بعد الاستقلال، حينما قال للملك إن هذه المهام تتطلب مناقشات واعية وخروجات دقيقة، والحال أن الإطار المؤسساتي لا يزال ناقصًا.
وفي تشخيص الواقع السياسي ومنطلقات باقي الأحزاب المعروفة في الساحة السياسية حينها، يقول بوعبيد للحسن الثاني إن بعض المنظمات السياسية ترى أن الغالبية العظمى من الشعب غير مستعدة بعد للديمقراطية، لكننا نعتقد أن هذا خطأ كبير، فالشعب المغربي أظهر نضجًا سياسيًا كبيرًا رغم ما زعمه علماء اجتماع الاستعمار.
يحكي بوعبيد أن الملك رد بالموافقة على هذا التوجه العام، مضيفًا أن الحسن الثاني أشار إلى أن دمقرطة المؤسسات تمثل أولوية، ويستدرك الملك: “لكن الطريقة التي ستجرى بها هي التي تحتاج إلى تحديد”.
وقد امتد حديث بوعبيد مع الحسن الثاني إلى دور الملكية في الحفاظ على هيبة العرش، حيث حاول الزعيم الاتحادي إقناع الملك بأهمية انتخاب مجلس تأسيسي لصياغة الدستور وأنه (المجلس التأسيسي) سيريح الملك، مع الحفاظ على إمكانية التدخل إذا لزم الأمر لضمان استمرارية المؤسسات وإعادة القطار إلى سكته الصحيحة.
بعدها، يروي سياسي المرحلة أن الملك الحسن الثاني، دون أن يحدد فكرته، قال: “نحن تقريباً في نهاية شهر رمضان. لماذا لا نجري انتخابات عامة بضعة أيام بعد عيد الفطر؟”. ليجيبه بوعبيد: “لكن، صاحب الجلالة، أنت تحقق كل أمانينا. أليست هذه مهلة قصيرة جداً؟”.
أجاب الحسن الثاني: “لقد قمت بهذا الاقتراح كي أقول لكم كم أنا مصمم على دمقرطة مؤسساتنا. الآن، أطلب منكم أن تقدموا لي مذكرة خطية، تلخص الأفكار التي قمتم بتطويرها”. فانتهى لقاء الملك الجديد مع زعماء حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
تخوفات “الاتحاد” من المجلس التأسيسي
في استعادته لتفاصيل تلك اللحظة السياسية الدقيقة، يروي الزعيم الاتحادي، عبد الرحيم بوعبيد، أن أول جلسة رسمية مع الملك الحسن الثاني، انتهت بتكليفه من طرف رفيقيه (عبد الرحمان اليوسفي ومحمد البصري) بإعداد مشروع مذكرة. ويشير إلى أنه تولى تحريرها مقتصرًا على الخطوط العريضة للعلاقة بين الملكية والجمعية المنتخبة.
وفي سياق استرجاعه لتفاصيل تلك الخطوة، يذكر بوعبيد أنه لا يتذكر إن كان المحجوب بن الصديق (مؤسس الاتحاد المغربي للشغل) وعبد الله إبراهيم قد أحيطا علمًا بنص المذكرة، غير أنه يؤكد أنهما أُبلغا بالمقابلة وبالأسئلة التي طُرحت خلالها. كما يشير إلى أن المهدي بن بركة، الذي كان قد قرر البقاء في فرنسا إلى أجل غير مسمى، كان قد أعطى موافقته. ويضيف أنه بعد بضعة أيام سُلّمت المذكرة إلى الديوان الملكي.
وعن المرحلة التي تلت تسليم الوثيقة، يوضح بوعبيد أنهم انتظروا أيامًا وأسابيع دون أن يصلهم أي جواب، ولا حتى وصل استلام. ورغم ذلك، يؤكد أنه ظل يأمل في رد أو في مشاورات جديدة، مشيرًا إلى أنه كان مستعدًا لإقناع رفاقه في الحزب بأن إعداد مشروع دستور من طرف الغرفة الدستورية قد يكون، من الناحية التكتيكية، أفضل إجراء في غياب طريق آخر.
ومن زاوية تقييمه للخيارات المطروحة آنذاك، يلفت بوعبيد إلى أن انتخاب جمعية تأسيسية بالاقتراع العام كان ينطوي على مجازفات أكيدة. ويشرح أن ثمانين في المئة من المنتخبين كانوا من القرويين، وأن إمكانية الضغط والمناورة من طرف وزارة الداخلية على هذه الفئة من الناخبين كانت واضحة.
وفي قراءته لموازين القوة السياسية في تلك المرحلة، يوضح الزعيم الاتحادي أن وجود الاتحاد الوطني للقوات الشعبية كقوة سياسية كان لا يزال في بداياته، وهو ما كان يعني أن المنتخبين في الجمعية التأسيسية سيكونون في غالبيتهم من القرويين، مع انضمام جزء من البرجوازيين الفائزين في بعض الدوائر الحضرية. ويضيف أن المفاهيم التقدمية التي كان يدافع عنها حزبه، والتي كانت في الأساس نظرية أو مجردة، لم تكن تملك فرصة حقيقية ليتم تبنيها، حتى من طرف أغلبية محدودة.
وفي المقابل، يبرز بوعبيد أن غرفة دستورية تمثل فيها الأحزاب السياسية والنقابات كانت ستوفر فرصًا أفضل لتحقيق نتائج، مؤكداً أن حظوظ تحقيق ذلك كانت أكبر مما يمكن توقعه داخل جمعية تأسيسية يغلب عليها المنتخبون القرويون.

