في ذاكرة نادي الوداد الرياضي، هناك أسماء لا تُكتب بمداد عادي، خصوصاً أنها أسماء صنعت تاريخ “القلعة الحمراء” بجهد وعطاء استثنائيين. وبالطبع، عند ذكر هذه الأسماء، لا يمكننا تجاوز اسم حسن بن عبيشة، ذاك المايسترو الذي بصم على مسار فريد، حصد فيه كل الألقاب الممكنة، وكان شريكاً فاعلاً في واحدة من أزهى فترات الفريق تاريخياً.
البدايات.. الموهبة التي لم يحجبها “الظلام”
وكعدد كبير من أبناء جيله، بدأت رحلة بن عبيشة كروياً من الأحياء، بأدوات بسيطة وموهبة استثنائية قادته ليكون أحد أبرز نجوم كرة القدم الوطنية. ولم يتميز بن عبيشة فقط بموهبته الكبيرة، بل أيضاً بحسه التنظيمي، إذ بادر رفقة أصدقائه إلى تأسيس فريق صغير، جمع فيه أبناء الحي وقادهم كلاعب ومدرب في آن واحد.
ورغم هذا التعلق الكبير بالكرة، ظل بن عبيشة يمارسها بعيداً عن علم والده، الذي لم يكن موافقاً بشكل كبير على فكرة احتراف ابنه للعبة. وبينما كان والده يظنه منشغلاً بالدراسة، كان حسن يضع اللبنات الأولى لأسطورة كروية ستغزو القارة السمراء لاحقاً.
وجاءت لحظة التحول الحقيقية عندما كان يلعب رفقة زملائه في الشاطئ، ليلفت انتباه أحد المنقبين، الذي استغرب عدم انتمائه لأي نادٍ، واقترح عليه خوض تجربة مع فريق الكوكب المراكشي. كانت تلك المحاولة الأولى لبن عبيشة، غير أنها لم تكتمل وقوبلت بالرفض، ليعوضه القدر باختبار جديد رفقة نادي الوداد، حيث لم يحتج سوى لبضع دقائق ليقنع الجميع بإمكاناته الفذة.
الجيل الذهبي.. حين استسلمت الألقاب لـ “بن عبيشة”
داخل الوداد، لم يطل انتظار بن عبيشة، إذ تسلق الفئات الصغرى بسرعة كبيرة ليصل إلى الفريق الأول سنة 1987، جاور خلالها جيلاً مميزاً ضم أسماء وازنة مثل لحسن أبرامي، نور الدين النيبت، جلال فاضل، ورشيد الداودي، وغيرهم من النجوم الذين أضاءوا سماء “القلعة الحمراء”.
ولم يكن بن عبيشة في ذلك الوقت مجرد شاهد على العصر، بل كان المحرك الذي دارت به آلة الألقاب الودادية في التسعينيات. توج حسن محلياً بأربعة ألقاب في البطولة الوطنية (1986، 1990، 1991، 1993)، مع ثلاثة ألقاب في كأس العرش (1989، 1994، 1997).
أما قارياً، فتبقى لحظة التتويج بـ “عصبة الأبطال” سنة 1992 أمام الهلال السوداني هي اللحظة الأغلى، خصوصاً أنها شكلت محطة مفصلية منحت النادي إشعاعاً قارياً غير مسبوق، أتبعها بسلسلة من الألقاب، منها دوري أبطال العرب (1989)، وكأس السوبر العربي (1992)، والكأس الأفروآسيوية (1993)، في فترة ذهبية بسط فيها الوداد سيطرته المطلقة.
من المستطيل الأخضر إلى “دكة” التحديات
بعد مسار حافل، غادر بن عبيشة الملاعب كلاعب في منتصف التسعينيات، لكن ارتباطه الوثيق بالميدان دفعه لمواصلة الرحلة كمدرب، حاملاً معه “عدوى الألقاب والانتصارات”.
وفي هذا المجال، برز اسمه بقوة سنة 2013، حين نجح في قيادة “أشبال الأطلس” لمنصات التتويج في تظاهرات دولية كبرى، في مقدمتها انتزاع الميدالية الذهبية في ألعاب مرسين بتركيا، والظفر بلقب ألعاب التضامن الإسلامي بإندونيسيا، مع البصم على حضور قوي في الألعاب الفرانكوفونية بفرنسا محرزاً الميدالية الفضية.
ولم يقتصر مسار بن عبيشة التدريبي على المنتخبات الوطنية، بل قاد العديد من الأندية منها أولمبيك خريبكة وسريع وادي زم. وفي مفارقة لافتة، عاد بن عبيشة إلى الكوكب المراكشي الذي رفضه في بداياته كلاعب، ليقوده هذه المرة من كرسي الاحتياط.
تظل رحلة حسن بن عبيشة تجسيداً حياً لروح الإصرار والوفاء في العطاء، ليظل إلى اليوم أحد أكثر رموز الوداد أهمية، ورقماً صعباً في معادلة الكرة المغربية؛ الشخصية التي أثبتت أن النجاح ليس صدفة، بل هو تراكم لسنوات من الانضباط والتكتيك، سواء بقميص اللاعب أو ببدلة المدرب.
