دخلت الزيادات الجديدة والقياسية في المحروقات حيز التنفيذ ابتداء من اليوم الاثنين، لتفتح من جديد باب القلق داخل قطاع النقل الذي يعد أحد أكثر القطاعات حساسية تجاه تقلبات أسعار الطاقة.
الزيادة الأخيرة، التي بلغت نحو درهمين للغازوال و1,44 درهم للبنزين لم تمر دون ردود فعل، إذ سارعت نقابات مهنيي النقل الطرقي إلى التحذير من انعكاساتها المباشرة على تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، معتبرة أن استمرار هذا المنحى التصاعدي في الأسعار قد يفضي إلى موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة بالنسبة للأسر المغربية.
وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة مطالب قديمة تتجدد مع كل موجة ارتفاع في أسعار المحروقات على رأسها ضرورة إعادة تفعيل آلية الدعم الحكومي الموجهة لمهنيي النقل الطرقي، فهذا الدعم الذي كانت الحكومة قد أقرته في فترات سابقة للتخفيف من أثر الارتفاعات الحادة في أسعار الطاقة العالمية، عاد اليوم ليطرح بقوة داخل القطاع باعتباره أحد الأدوات القليلة القادرة على امتصاص جزء من الصدمة التي يتعرض لها الفاعلون في مجال النقل.
وأكد مهنيون تواصلت معهم “الصحيفة” أن هذا الدعم تحول خلال السنوات الأخيرة إلى آلية أساسية لضبط توازن القطاع في مواجهة تقلبات سوق الطاقة الدولية، خاصة في ظل الارتباط المباشر بين أسعار الوقود وتكاليف النقل التي تشكل العمود الفقري لحركة السلع والخدمات داخل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، أكد مهنيون في قطاع النقل الطرقي أن استمرار التقلبات الحادة في أسعار المحروقات في الأسواق العالمية يضع الشركات خصوصا الصغيرة والمتوسطة منها، أمام ضغوط مالية متزايدة يصعب امتصاصها في غياب آليات دعم واضحة ومستقرة، فهذه المقاولات التي تشكل اليوم جزءا مهما من نسيج النقل الوطني تجد نفسها مضطرة لمواجهة ارتفاع تكاليف الوقود بالتوازي مع تصاعد مصاريف التشغيل المرتبطة بالصيانة الدورية للشاحنات وقطع الغيار والتأمينات، فضلا عن كلفة اليد العاملة والأجور.
ومع احتدام المنافسة داخل السوق ووجود تعريفة نقل يصعب رفعها بسرعة دون فقدان الزبناء يصبح هامش المناورة محدودا أمام العديد من الفاعلين، ما يضعهم بين خيارين صعبين إما تحمل الخسائر أو نقل جزء من هذه الزيادات إلى كلفة النقل، وهو ما قد ينعكس لاحقا على أسعار السلع والخدمات في السوق.
في هذا السياق، دعا مصطفى الكركوري، الكاتب العام للنقابة الوطنية للنقل الطرقي للبضائع التابعة للاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الحكومة إلى إعادة فتح منصة “مواكبة” المخصصة لتلقي طلبات الدعم لفائدة مهنيي النقل، حتى يتمكنوا من الاستفادة من المساعدات المالية التي كانت قد أقرتها الدولة للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الوقود.
ويرى الكركوري أن إعادة تشغيل هذه المنصة باتت ضرورة ملحة في ظل الوضع الحالي للأسعار، مشددا على أهمية صرف الدعم بانتظام في بداية كل شهر إلى أن تستقر أسعار المحروقات في مستويات أقل تقلبا.
وأوضح المسؤول النقابي، أن التنسيق النقابي الذي يجمع عددا من المركزيات النقابية الكبرى في قطاع النقل الطرقي للبضائع من بينها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل والاتحاد العام للشغالين بالمغرب والاتحاد المغربي للشغل والاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، يعتزم عقد اجتماع موسع لدراسة تداعيات هذه الزيادة الأخيرة على نشاط النقل.
ومن المرتقب أن يخلص هذا الاجتماع إلى توجيه رسالة إلى رئيس الحكومة للمطالبة بتسريع صرف الدعم للمهنيين، في محاولة لتخفيف الضغط المالي الذي يواجهه القطاع ومنع انتقال هذه الزيادة إلى أسعار نقل البضائع والمسافرين.
ويؤكد مهنيون أن الزيادة الأخيرة تعد من بين أكبر الزيادات التي عرفها السوق خلال السنوات الأخيرة، حيث قاربت درهمين في اللتر الواحد بالنسبة للغازوال، وهو ما وصفه بعضهم بأنه ارتفاع “غير مسبوق” في ظرفية اقتصادية لا تزال تتسم بعدم اليقين.
ويشير هؤلاء إلى أن هذه الزيادة لا تؤثر فقط على شركات النقل بل تمتد آثارها إلى مجمل الاقتصاد الوطني نظرا للدور المحوري الذي يلعبه النقل الطرقي في حركة السلع والخدمات داخل البلاد.
وتأتي هذه الزيادة في سياق دولي يتسم بتوترات جيوسياسية متصاعدة خاصة في الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى اضطراب أسواق النفط العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة وتنعكس هذه التطورات بسرعة على السوق المغربية بحكم اعتماد المملكة بشكل كبير على استيراد المنتجات النفطية، خصوصا بعد توقف نشاط مصفاة سامير بالمحمدية منذ سنة 2015، الأمر الذي جعل السوق الوطنية تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الوقود المكرر من الخارج.
ويرى فاعلون في قطاع النقل أن الزيادة الحالية تثير أيضا تساؤلات حول سياسة تخزين المحروقات في المغرب، إذ تشير المعطيات المتداولة إلى أن القدرة الوطنية للتخزين يفترض أن تغطي ما بين شهرين وثلاثة أشهر من الاستهلاك.
وفي ظل هذه المعطيات، يتساءل مهنيون عن الأسباب التي تجعل الأسعار ترتفع بسرعة كبيرة مع أولى التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية، رغم توفر مخزون استراتيجي يفترض أن يخفف من أثر هذه الصدمات.
ويحذر المهنيون من أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات دون اتخاذ إجراءات موازية قد يدفع شركات النقل إلى مراجعة تعريفة خدماتها وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انتقال موجة الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات فتكلفة النقل تعد عنصرا أساسيا في سلسلة الإنتاج والتوزيع، وأي زيادة فيها تنعكس بشكل شبه مباشر على أسعار المنتجات الغذائية والصناعية، ما يضع ضغطا إضافيا على القدرة الشرائية للمواطنين.
كما يرى مهنيون أن تنظيم سوق المحروقات يظل أحد التحديات الرئيسية المطروحة في السياق الحالي خصوصا بعد تحرير أسعار الوقود في المغرب منذ سنة 2015، وهو القرار الذي ربط أسعار الوقود بتقلبات السوق الدولية وهوامش التوزيع التي تحددها الشركات ومنذ ذلك الحين، أصبح سوق المحروقات يخضع لمنطق العرض والطلب، ما جعل الأسعار تتغير بشكل دوري تبعا لتطورات السوق العالمية.
وفي ظل هذه التحولات، يطالب عدد من الفاعلين الاقتصاديين بتعزيز آليات المراقبة والشفافية داخل قطاع المحروقات لضمان توازن أكبر بين مصالح الشركات والمستهلكين خصوصا أن أسعار الوقود أصبحت تؤثر بشكل مباشر في تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات في مختلف القطاعات الاقتصادية.
كما يحذر مهنيون من احتمال تسجيل زيادات جديدة خلال الأسابيع المقبلة إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط وتأثيراتها على سوق النفط العالمية، وهو سيناريو قد يزيد من الضغط على قطاع النقل وعلى الاقتصاد الوطني بشكل عام وفي هذا السياق، يرى فاعلون في القطاع أن الحكومة مطالبة اليوم بلعب دور أكثر فاعلية في تنظيم الأسواق الاستراتيجية المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين.
