في سياق التحولات التي يعرفها قطاع السينما والسمعي البصري بالمغرب، أعلن المركز السينمائي المغربي عن إصدار الدليل الرسمي للتصوير السينمائي ونظام الاسترجاع النقدي (Cash Rebate)، وهو دليل يهدف إلى تقديم صورة واضحة للمنتجين الدوليين حول شروط وإجراءات التصوير بالمملكة، إضافة إلى آليات الدعم المالي المتاحة للإنتاجات الأجنبية.
ويعد هذا الإصدار مبادرة مهمة من حيث المبدأ، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه في تعزيز جاذبية المغرب كوجهة دولية للإنتاج السينمائي، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين الدول لاستقطاب الاستثمارات السينمائية العالمية. فالمغرب يتمتع منذ عقود بمكانة متميزة في هذا المجال، بفضل تنوع مناظره الطبيعية، وغنى موروثه المعماري والثقافي، إضافة إلى الخبرة التي راكمتها الأطر التقنية والفنية المغربية في مواكبة كبريات الإنتاجات الدولية.
ويؤكد هذا الدليل أن المغرب يوفر نظام تحفيز مالي يقوم على استرجاع يصل إلى 30 في المائة من النفقات المؤهلة التي يتم صرفها داخل المملكة لفائدة الإنتاجات الأجنبية، وهو نظام أصبح اليوم أحد أهم الأدوات المعتمدة عالمياً لجذب المشاريع السينمائية الكبرى. كما يقدم الدليل توضيحات حول المساطر الإدارية المتعلقة بالحصول على رخص التصوير، والعمل مع شركة إنتاج مغربية معتمدة، إضافة إلى الإجراءات المرتبطة بالاستفادة من نظام الكاش ريبيت.
غير أن تطوير جاذبية المغرب السينمائية لا يقتصر فقط على إصدار الأدلة التعريفية أو الحملات الترويجية، بل يتطلب أيضاً تقوية البنية المهنية للقطاع وإشراك الفاعلين المهنيين في صياغة السياسات العمومية المرتبطة بالصناعة السينمائية. فالمنتجون المغاربة يشكلون حلقة أساسية في منظومة الإنتاج، وهم الشريك الطبيعي لأي مشروع تصوير دولي يتم إنجازه داخل المملكة.
ومن هذا المنطلق، ترى الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام أن نجاح أي استراتيجية لجذب الإنتاجات الأجنبية يظل رهيناً بتعزيز التعاون بين المؤسسات العمومية والهيئات المهنية، والعمل المشترك على تبسيط المساطر الإدارية، وتسريع معالجة ملفات التصوير، وتوفير مناخ مهني يضمن الشفافية والنجاعة في تدبير مختلف مراحل الإنتاج.
كما أن تعزيز جاذبية المغرب كوجهة للتصوير السينمائي الدولي يمر أيضاً عبر حضور قوي وفعال في أسواق الفيلم العالمية، مثل سوق الفيلم بمهرجان كان، وسوق برلين، وسوق تورونتو وغيرها من المنصات المهنية التي تشكل فضاءات أساسية للتفاوض حول المشاريع وبناء الشراكات الإنتاجية.
وفي هذا السياق، يظل إشراك المهنيين المغاربة، وعلى رأسهم المنتجون، عنصراً حاسماً في أي استراتيجية للترويج للمغرب كوجهة للإنتاج السينمائي. فالمنتجون المهنيون يشكلون الواجهة الحقيقية للصناعة السينمائية الوطنية، وهم الأكثر قدرة على إقناع المستثمرين وشركات الإنتاج الدولية بجدوى العمل في المغرب، بالنظر إلى خبرتهم الميدانية ومعرفتهم الدقيقة بالمساطر القانونية والإدارية، إضافة إلى شبكات العلاقات المهنية التي راكموها عبر سنوات من العمل داخل الأسواق والمهرجانات الدولية.
كما أن المستثمر الأجنبي غالباً ما يبحث عن مخاطب مهني يمتلك الخبرة العملية في مجال الإنتاج، ويستطيع تقديم ضمانات حقيقية حول شروط العمل داخل البلد. ومن هنا تبرز أهمية تمكين المهنيين من الحضور الفعلي إلى جانب المؤسسات الرسمية في مختلف أسواق الفيلم الدولية، لأن الثقة التي يبنيها المستثمر مع الفاعلين المهنيين تشكل في كثير من الأحيان المدخل الأساسي لإطلاق مشاريع تصوير جديدة داخل المملكة.
لذلك، فإن تعزيز حضور المغرب في أسواق الفيلم الدولية ينبغي أن يقوم على مقاربة تشاركية تجمع بين المؤسسات العمومية والهيئات المهنية، بما يسمح بتقديم صورة متكاملة عن الصناعة السينمائية الوطنية ويعزز ثقة الشركاء الدوليين في المنظومة الإنتاجية المغربية.
كما أن استقطاب الإنتاجات الدولية يجب أن يوازيه دعم حقيقي للإنتاج الوطني، لأن قوة الصناعة السينمائية في أي بلد تقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار الأجنبي وتطوير الإنتاج المحلي، بما يضمن استدامة القطاع وخلق فرص شغل حقيقية للكفاءات المغربية.
إن المغرب يمتلك اليوم كل المقومات ليكون منصة إقليمية كبرى لصناعة السينما والإنتاج السمعي البصري، لكن تحقيق هذا الطموح يمر بالضرورة عبر رؤية تشاركية واضحة تجمع بين الدولة والمهنيين، وتضع تطوير الصناعة السينمائية الوطنية في صلب الأولويات.
وفي هذا الإطار، ستظل الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام منفتحة على كل المبادرات التي من شأنها تعزيز مكانة المغرب في الخريطة السينمائية العالمية، والدفاع في الوقت نفسه عن مصالح المهنيين المغاربة، باعتبارهم الفاعل الأساسي في بناء مستقبل السينما الوطنية.
رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام
