قرار “الكاف” واللقب المسحوب.. هل يتجاوز ضجيج الملاعب حدود المستطيل الأخضر ليهدد استقرار العلاقات بين المغرب والسنغال؟

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
قرار “الكاف” واللقب المسحوب.. هل يتجاوز ضجيج الملاعب حدود المستطيل الأخضر ليهدد استقرار العلاقات بين المغرب والسنغال؟


بعد قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم القاضي بسحب لقب كأس أمم إفريقيا 2025 من المنتخب السنغالي ومنحه للمنتخب المغربي على خلفية الأحداث التي شهدتها المباراة النهائية، طفا على السطح نقاش واسع حول مدى تأثير هذا التطور الرياضي على العلاقات التاريخية بين المغرب والسنغال، وما إذا كانت تداعياته قد تتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتطال توازنات دبلوماسية ظلت لعقود طويلة نموذجا في الاستقرار والتكامل داخل القارة الإفريقية.

القرار، الذي جاء بعد مسار تأديبي واستئنافي معقد داخل هياكل الكرة الإفريقية، استند إلى معطيات مرتبطة بانسحاب لاعبي المنتخب السنغالي من المباراة النهائية في خرق واضح للوائح المنظمة للمنافسة، تطبيقا للمادة 84 من لوائح كأس أمم إفريقيا، وهو ما اعتبرته الهيئات المختصة إخلالا جسيما بمبدأ الاستمرارية الرياضية وبروح التنافس النزيه. 

وبغض النظر عن الجدل الذي أثاره هذا القرار داخل الأوساط الرياضية والإعلامية، فإن ما لفت الانتباه هو سرعة انتقال النقاش من طابعه الرياضي إلى أبعاد سياسية ودبلوماسية، خاصة مع دخول بعض الأصوات الرسمية في السنغال على الخط بتصريحات حادة تجاه القرار، غذتها صفحات وحسابات لرياضيين ووجوه اعلامية عربية وأخرى دولية معروفة بمواقفها المعادية للمغرب، ذهبت إلى حد الادعاء بمنع السفير المغربي بدكار من الولوج إلى باحة المسجد أثناء أداء صلاة العيد.

غير أن القراءة الموضوعية لمجمل المعطيات تكشف أن العلاقات المغربية السنغالية أعمق بكثير من أن تتأثر بقرار رياضي، مهما كانت رمزيته، حيث أن هذه العلاقات، لم تُبنَ على ظرفية عابرة أو تقاطع مصالح مؤقت، بل تشكلت عبر مسار تاريخي طويل تعاقبت فيه الأبعاد الدينية والإنسانية والاقتصادية والسياسية، لتصنع نموذجا فريدا في التعاون جنوب -جنوب داخل القارة الإفريقية.

كما أنه لا يمكن فهم استعصاء العلاقات المغربية السنغالية على الكسر دون العودة إلى عهد الدولة المرابطية، حيث نشأت قبل قرون روابط لم تنقطع، إذ كان التجار والدعاة يقطعون الصحراء جيئة وذهابا، مما خلق انصهارا اجتماعيا فريدا بين البلدين، وهي الروابط الروحية التي تجلت في أبهى صورها عبر الطريقة التيجانية بعدما جعلت من فاس وتيواون قطبين لرحى واحدة، إذ يمثل ضريح الشيخ أحمد التجاني بفاس قبلة روحية لآلاف السنغاليين. 

ومع مرحلة ما بعد الاستقلال، تحولت هذه الروابط التقليدية إلى شراكة مؤسساتية بين دولتين، حيث كان المغرب من أوائل الدول التي دعمت السنغال عقب استقلالها سنة 1960، في سياق إفريقي كان يبحث عن تثبيت دعائم السيادة وبناء الدولة الوطنية، ومنذ ذلك الحين، تميزت مواقف الرباط ودكار بدرجة عالية من التنسيق السياسي داخل المحافل الإقليمية والدولية، مع تقاطع واضح في الرؤى حول قضايا الاستقرار ووحدة الدول ورفض النزعات الانفصالية.

وقد شكل اتفاق 27 مارس 1964 محطة مفصلية في مسار هذه العلاقات، باعتباره إطارا مؤسسا لتطوير التعاون الثنائي، حيث تم في فبراير 2025 إحياء الذكرى الستين لهذا الاتفاق، الذي مثّل أحد الأسس المرجعية للتعاون بين البلدين، كما أن الملك محمد السادس، قام منذ اعتلائه العرش، بثماني زيارات إلى السنغال، وهو ما يمثل أكبر عدد من الزيارات التي خص بها الملك بلدا إفريقيا واحدا، في مؤشر على المكانة الخاصة التي تحتلها داكار في السياسة الإفريقية للمغرب.

وفي السياق ذاته عبّرت السنغال في عدة مناسبات عن دعمها للوحدة الترابية للمملكة المغربية ولسيادتها على كامل ترابها الوطني، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية، كما أعلنت تأييدها لمبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، باعتبارها مقترحا لتسوية النزاع في إطار الأمم المتحدة، ترجمته دكار بافتتاح قنصلية عامة لها بمدينة الداخلة في أبريل 2021، في خطوة اعتُبرت مؤشرا دبلوماسيا يعكس موقف السنغال الثابت و الداعم للموقف المغربي.

وجرى التأكيد على هذا التوجه مجددا في البيان المشترك الصادر بالرباط في ختام أشغال اللجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية السنغالية شهر يناير الماضي من سنة 2026 ، التي ترأسها رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش والوزير الأول السنغالي أوسمان سونكو حيث أعاد الجانب السنغالي التأكيد على دعمه للوحدة الترابية للمملكة وللقرار الأممي 2797، ومساندته لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، باعتبارها إطارا للحل السياسي في سياق المسار الأممي.

ولا تقتصر هذه العلاقة على التنسيق السياسي، بل تمتد إلى مجالات حيوية متعددة، من بينها التكوين الديني والتعليم العالي والصحة والبنية التحتية، إضافة إلى الحضور القوي للمؤسسات البنكية والاستثمارية المغربية في السوق السنغالية، حيث  تلعب حركة الطلبة دورا محوريا في تعميق هذا التقارب، بالنظر إلى تخرج أجيال من النخب السنغالية من الجامعات والمعاهد المغربية، حاملة معها رصيدا ثقافيا وإنسانيا يعزز متانة العلاقة بين البلدين.

وبالرغم من التصعيد اللفظي الذي طبع بعض المواقف في دكار، فإن المؤشرات العامة لا توحي بوجود رغبة حقيقية في الدفع نحو أزمة دبلوماسية مفتوحة، بقدر ما تعكس تفاعلا آنيا مع ضغط الرأي العام الداخلي، خاصة في ظل حساسية كرة القدم في الوجدان الشعبي السنغالي، إء عادة ما تميل مثل هذه المواقف إلى التهدئة التدريجية مع مرور الوقت، خصوصا عندما تصطدم بحسابات المصالح الاستراتيجية الكبرى للبلد ومصالحه .

وعليه، فإن ما حصل عقب قرار “الكاف” أو قد يحصل بعد التوجه إلى “الطاس”، يمكن اعتباره اختبارا جديدا لصلابة هذه العلاقة، أكثر منه تهديدا حقيقيا لها، حيث أن التاريخ المشترك، وكثافة المصالح المتبادلة، ووجود قنوات اتصال متعددة، كلها عوامل تجعل من سيناريو القطيعة أو التوتر العميق أمرا مستبعدا.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق