تحقيق استقصائي يهز أركان حزب VOX الإسباني.. كيف حوّل زعيم اليمين المتطرف حزبه إلى إمبراطورية مالية سرية؟

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
تحقيق استقصائي يهز أركان حزب VOX الإسباني.. كيف حوّل زعيم اليمين المتطرف حزبه إلى إمبراطورية مالية سرية؟


في تحقيق استقصائي، تعيد الصحفية راكيل إخيريكي، عبر صحيفة “eldiario”، فتح الملف الأكثر حساسية في تاريخ اليمين المتطرف الإسباني، حيث ترسم بالوثائق والأرقام والتسريبات الداخلية صورة قاتمة لحزب تحول إلى كيان مالي مُغلق، لا يديره سوى أربعة أشخاص، تتيه في متاهات حساباتهم أموال الدولة وعضوية المنتمين، دون أن يدري أحد أين تستقر هذه الأموال في النهاية.

لكن الجذور تمتد إلى ما هو أبعد من اليوم. يشير التحقيق إلى أنه في شهر فبراير من عام 2023، وعلى لسان القيادية السابقة في الحزب، ماكارينا أولونا، التي كانت يوما من أقوى الشخصيات نفوذاً قبل أن تبتلعها غياهب النسيان بعد انتخابات الأندلس، دوت قنبلة لم تهدأ أصداؤها.

في حوار مثير مع الإعلامي المخضرم جوردي إيفولي، أطلقت أولونا عبارة بقيت علامة فارقة في تاريخ فضائح الحزب: “حساب العاهرات ومتفرقات” أو كما وصفه التحقيق باللغة الإسبانية (la cuenta de ‘putas y varios’)، ذلك الحساب الذي كان مربط الفرس في مسلسل الفساد وفق تعبيرها.

وأشارت أولونا إلى أن مؤسسة Disenso، التي تأسست لتكون الذراع الفكرية للحزب، تحولت إلى ما يشبه الصندوق الأسود لتمويل عمليات غير معلنة. ففي غياب الرقابة، كانت المؤسسة تستقبل سنويا ما يقارب 2.5 مليون أورو من أموال حزب VOX، لتختفي هذه الملايين في بنود مبهمة لا تكشف عن المستفيدين الحقيقيين، واصفة إياها بأنها تعمل كـ”مسار لتحويل الأموال” حيث تنتهي مئات الآلاف من اليوروهات في مدفوعات “لمهنيين آخرين” دون أن يُعرف هويتهم أو طبيعة عملهم.

ولم تبقَ القيادية السابقة في الحزب، ماكارينا أولونا وحدها في ساحة المعركة. فالتحقيق يكشف أن قيادات بارزة أخرى انضمت إلى قائمة المنتقدين، سواء أولائك الذين تركوا الحزب طواعية أو طُردوا منه، من بينهم إيفان إسبينوزا دي لوس مونتيروس، أحد مؤسسي الحزب، وأورتيغا سميث، الأمين العام السابق الذي أكد أنه فُصِل لأنه أبلغ عن مخالفات مالية داخلية، وخوان غارسيا-غاياردو، نائب رئيس حكومة كاستيا وليون السابق.

هذا الأخير أدلى بتصريح لم يمر مرور الكرام، حيث قال في مقابلة مع صحيفة “إل موندو” هذا الأسبوع إن فوكس، “بهذا المعدل، سيصبح بمثابة خطة التقاعد الخاصة بأباسكال”.

وفي واحدة من أكثر فقرات التحقيق إثارة، تتوقف الصحفية عند راتب ليديا بيدمان، زوجة أباسكال. فبحسب ما نشرته صحيفة “إل كونفيدنسيال” عام 2025، فإن بيدمان حصلت في عام 2019 على أكثر من 60 ألف أورو من دار النشر “IVAT S.L.”، المملوكة لرجل الأعمال غابرييل أريثا، الشريك المقرب لـ”كيكو مينديث موناستيريو”، المستشار الأقرب لأباسكال، في شركة “Tizona S.L”، التي أصدرت بدورها فواتير بخدمات للحزب.

خلاصة هذه الدائرة المغلقة، أن زوجة أباسكال تلقت أموالاً من شركة لها ارتباط غير مباشر بدفعات من الحزب نفسه، ومن دائرة مستشار زوجها. الرقم الصادم هنا أن 94% من الإسبان يتقاضون رواتب أقل من الـ60 ألف أورو التي حصلت عليها بيدمان مقابل عملها الموصوف بأنه “استشارات في التواصل الاجتماعي”.

التحقيق لا يقتصر على الزوجة، بل يتوسع ليكشف أن أباسكال نفسه لم يكن شفافا فيما يتعلق برواتبه. فقد أخفى في إقراره الإلزامي بالممتلكات أمام البرلمان عام 2023 دفعا شهريا قدره 1500 أورو كان يتقاضاه مقابل رئاسته للمجموعة البرلمانية، ليصل إجمالي ما يتقاضاه إلى أكثر من 37 ألف أورو سنويا كزعيم للحزب، إضافة إلى مستحقاته كنائب ورئيس للمجموعة البرلمانية، في حين يبقى مصدر دخل آخر حول نشاطه في مؤسسة “ديسينسو” الذي يترأسها علامة استفهام كبيرة.

وفي حسابات الحزب لعام 2023، وقعت الصحيفة على تفصيل خطير آخر يتعلق بـ 12 شخصا من قيادة VOX تقاسموا رواتب إضافية بقيمة 646 ألف أورو، أي ما يعادل نحو 54 ألف أورو سنويا لكل منهم، فوق رواتبهم الأساسية، دون أن يقدم الحزب أي تفاصيل إضافية عن هؤلاء الأشخاص أو عن طبيعة هذه المدفوعات الإضافية التي لم يتم الإبلاغ عنها علنا.

لكن قلب الفضيحة، وفق التحقيق، يكمن في مؤسسة “ديسينسو”، حيث يحول فوكس أموالا طائلة إليها. في المتوسط، تصل التحويلات السنوية من الحزب إلى المؤسسة نحو 2.5 مليون أورو، وهو رقم استثنائي مقارنة بما تحوله الأحزاب الأخرى إلى مؤسساتها.

وتكمن المشكلة في أن المؤسسات الخاصة مثل “ديسينسو” أكثر غموضا، ولا تستطيع الدولة التدقيق فيها بنفس الدرجة. ففي آخر حسابات منشورة للمؤسسة عام 2024، ذهب 1.2 مليون أورو تحت بند “نفقات أخرى للنشاط” دون تفصيل للشركات المستفيدة، فيما بلغ متوسط رواتب الموظفين 50 ألف يورو سنويا.

والأكثر إثارة أن “ديسينسو” تعيش بالكامل تقريبا على ما يرسله الحزب، باستثناء 17 ألف أورو فقط حصلت عليها بوسائلها الخاصة في 2024. هذا يعني، في المحصلة، أن أموال الدولة وأموال الأعضاء تذهب لتمويل شبكة من المنظمات التابعة لأباسكال، بعيدا عن أعين الرقابة، لدرجة أن الأمين العام للحزب اضطر إلى إرسال خطاب داخلي لتبرير هذه التحويلات بعد أن كشفتها “eldiario”.

خلف هذه الدائرة المغلقة يقف ثنائي يتحكم بخيوط اللعبة من وراء الستار، الأول هو كيكو مينديث موناستيريو، الذي يوصف بأنه “مرشد أباسكال الروحي” وهو مؤسس الهيكل التنظيمي لـ”ديسينسو”، والذي لا يشغل منصبا رسميا، لكنه يتقاضى أجرا عبر شركة “Tizona S.L.”، حيث يحول له الحزب نحو 27 ألف يورو شهريا.

والثاني هو غابرييل أريثا، شريك مينديث موناستيريو في الشركة نفسها، وابن خوليو أريثا، المرشد الإعلامي لأباسكال، والذي كان مالكا لدار النشر التي دفعت لزوجة أباسكال 60 ألف أورو.

ويشار إلى أن ديوان المحاسبة في اسبانيا طلب من مينديث موناستيريو تقديم أدلة مفصلة عن الأعمال التي أصدر فواتير بها، والتي حصل بموجبها على هذه المبالغ.

وفي مفارقة صارخة، بينما كان الحزب يحول الملايين إلى “ديسينسو”، كان يعاني في الوقت نفسه من ضائقة مالية لتمويل حملاته الانتخابية، مما اضطره للاقتراض من بنك مجري مرتبط بفيكتور أوربان، بقرضين تجاوز مجموعهما 13 مليون أورو، في مخالفة صريحة للقانون الإسباني الذي يحظر أي تمويل من حكومات أو مؤسسات أو شركات عامة أجنبية. ورغم أن النيابة العامة فتحت تحقيقا في هذا الملف، إلا أنها أغلقت الملف بعد سداد القرض.

ديوان المحاسبة، الذي يستند إليه الحزب للقول إن حساباته نظيفة، لديه ملف طويل مع فوكس، حيث انتهت ثلاثة تحقيقات بتهمة التمويل غير القانوني بفرض غرامات بقيمة مليون أورو على الحزب، بسبب طلب تبرعات مخصصة لحملات محددة، وإيداع نحو 400 ألف أورو كتبرعات مجهولة المصدر ومن أجهزة الصراف الآلي، في مخالفة صريحة للقانون الذي يشترط تحديد هوية المتبرع.

بل إن التحقيق حصل على بريد إلكتروني داخلي يعطي تعليمات لقادة الحزب في المناطق المختلفة يصرح به بالتالي: “قم بتسوية الأموال التي لديكم من البضائع التجارية، في إيداعات تقل عن 299 أورو”، في محاولة واضحة للالتفاف على الرقابة المصرفية.

بأموال الغرقى اشتروا سياراتهم.. فضيحة فوكس: من ضحايا “الدانا” إلى جيوب القيادة

المشاكل المالية للحزب لا تقتصر على ما سبق، فهناك منظمة “ريفويلتا” الشبابية، التي يرعاها أباسكال والنائب الأوروبي بوكساديه، والتي تم التبليغ عنها من قبل عضوين أمام النيابة العامة، ومن قبل الحزب نفسه أمام الدولة، بسبب اشتباه في أن تبرعات جمعتها المنظمة لضحايا فيضان “الدانا” (DANA) صُرفت في أمور أخرى، منها شراء سيارة نقل. كما أن الصراعات القضائية تتسع، حيث قدم كل من أورتيغا سميث وإسبينوزا دي لوس مونتيروس شكاوى بتهمة “إفشاء الأسرار” ضد أباسكال، متهمين إياه بإشاعة ملفات وبيانات خاصة بهدف تشويه صورتهم بعد انتقادهم للحزب.

وفي الأيام الأخيرة، بدأ المنتقدون جمع توقيعات لعقد مؤتمر استثنائي للحزب، مما يضع القيادة الحالية في أزمة حقيقية. فالقيادة، من جانبها، تدافع عن نفسها بالقول إن “كل شيء قانوني”، وإن من حق الرئيس أباسكال إدارة الحزب كما يراه مناسبا، لكن النتائج الانتخابية غير المرضية، رغم أنها أعلى نسبة في تاريخ الحزب، زادت من حدة الانتقادات.

ويضع هذا التحقيق الذي أعدته الصحفية راكيل إخيريكي حزب فوكس، في موقف صعب وهو الذي جعل من محاربة الفساد وحماية المال العام عنوانه الأبرز، حيث يظهر اليوم كواحد من أكثر التنظيمات السياسية غموضا في إسبانيا.

أموال الدولة وأموال الأعضاء تتدفق إلى مؤسسات موازية غير شفافة، ورواتب إضافية لقيادات دون إفصاح، وتحويلات لشركات مرتبطة بمستشارين مقربين من القائد، وحتى راتب لزوجته تجاوز ما يتقاضاه 94% من الإسبان، في سردية تضع فوكس في موقع المتهم لا المدعي، وتطرح سؤالاً مصيريا وفق التحقيق وهو: هل كان شعار الحزب “حماية إسبانيا” مجرد غطاء لحماية جيوب القيادة؟



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق